Navigation
Settings

Tune your reading and listening experience.

92 entries

كتاب القضاء والشهادات

Book 21

maani-al-athaar/21 · Sharh Ma'ani al-Athaar

Hadith search

Advanced Search

حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا أَصَابُوا شَيْئًا مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمِ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِمْ فَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِمْ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَنْظُرْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ حَكَمَ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ فَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِيمَا أَصَابُوا مِنَ الْحُدُودِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ غَيْرَ مَا اسْتَحَلُّوا بِهِ فِي دِينِهِمْ كَشُرْبِهِمِ الْخَمْرَ وَمَا أَشْبَهَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ حَالُهُمْ فِيهِ وَحَالُ الْمُسْلِمِينَ يُعَاقَبُونَ عَلَى ذَلِكَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ مَا خَلَا الرَّجْمَ فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْإِحْصَانُ فِي قَوْلِهِمْ أَحَدُهَا الْإِسْلَامُ. فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْوَاجِبَاتِ فِي انْتِهَاكِ الْحُرُمَاتِ فَإِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ الْيَهُودَ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ. وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّمَا رَجَمْتُهُمْ لِأَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا إِلَيَّ. وَلَوْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَعُلِمَ أَنَّ الْحَكَمَ مِنْهُ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَأَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ لَمْ يَنْظُرْ فِي أُمُورِهِمْ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِئْ إِنَّمَا جَاءَ عَنْهُ أَنَّهُ رَجَمَهُمْ حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ. فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمِهِ إِذْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْ حُكْمِهِمْ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ أَمْ لَا؟ . فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رَأْيِهِ. ثُمَّ نَظَرْنَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ هَلْ نَجِدُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَدْ

حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمَا زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ائْتُوا بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ» فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَنْظُرُ بَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا الزِّنَا لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جَاحِدَانِ وَلَوْ كَانَا مُقِرَّيْنِ لَمَا احْتَاجَ مَعَ إِقْرَارِهِمَا إِلَى أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ. وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: ثنا أَبِي عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مُرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ بِرَجُلٍ قَدْ حُمِّمَ وَجْهُهُ وَقَدْ ضُرِبَ يُطَافُ بِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا شَأْنُ هَذَا» ، قَالُوا: زَنَى قَالَ: «فَمَا تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ» ، قَالُوا: يُحَمَّمُ وَجْهُهُ وَيُعَزَّرُ وَيُطَافُ بِهِ. فَقَالَ: «أَنْشُدُكُمُ اللهَ مَا تَجِدُونَ حَدَّهُ فِي كِتَابِكُمْ؟» ، فَأَشَارُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرَّجُلُ: نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا فَكَرِهْنَا أَنْ نُقِيمَ الْحَدَّ عَلَى سَفَلَتِنَا وَنَدَعَ أَشْرَافَنَا فَاصْطَلَحْنَا عَلَى شَيْءٍ فَوَضَعْنَا هَذَا. فَرَجَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ أَحْيَا مَا أَمَاتُوا مِنْ أَمْرِ اللهِ» فَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُحَكِّمُوهُ لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ مَرُّوا بِهِ وَهُوَ مُحَمَّمٌ فَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ ثُمَّ رَجَمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْكَارًا لِمَا فَعَلُوهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتُوهُ فَرَدَّ أَمْرَهُمْ إِلَى حُكْمِ اللهِ الَّذِي قَدْ عَطَّلُوهُ وَغَيَّرُوهُ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَكَّمُوهُ أَوْ لَمْ يُحَكِّمُوهُ. فَهَذَا مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى مَا قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ إِلَى تَثْبِيتِ الْحُكْمِ يَقُولُونَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} قَالَ: نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] وَقَالَ الْآخَرُونَ: تَأْوِيلُهَا وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ إِنْ حَكَمْتَ فَلَمَّا اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَكَانَتِ الْآثَارُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ ⦗١٤٣⦘ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ لِأَنَّ فِي حُكْمِهِ النَّجَاةَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ يَقُولُ قَدْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَمَنْ يَقُولُ: لَهُ أَنْ لَا يَحْكُمَ يَقُولُ: قَدْ تَرَكَ مَا كَانَ لَهُ تَرْكُهُ فَإِذَا حَكَمَ يَشْهَدُ لَهُ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا بِالنَّجَاةِ وَإِذَا لَمْ يَحْكُمْ لَمْ يَشْهَدَا لَهُ بِذَلِكَ. فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ نَفْعَلَ مَا فِيهِ النَّجَاةُ بِالِاتِّفَاقِ دُونَ مَا فِيهِ ضِدَّ النَّجَاةِ بِالِاخْتِلَافِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَنْتُمْ لَا تَرْجُمُونَ الْيَهُودَ إِذَا زَنَوْا فَقَدْ تَرَكْتُمْ بَعْضَ مَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بِهِ احْتَجَجْتُمْ. قِيلَ لَهُ: إِنَّ الْحُكْمَ كَانَ فِي الزُّنَاةِ فِي عَهْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ. وَكَذَلِكَ كَانَ جَوَابُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَدِّ الزَّانِي فِي كِتَابِهِمْ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعُ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ اتِّبَاعُ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى يُحْدِثَ اللهُ شَرِيعَةً تَنْسَخُ شَرِيعَتَهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: ٩٠] فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّيْنِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ. ثُمَّ أَحْدَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِيعَةً فَنَسَخَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ فَقَالَ {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: ١٥] وَكَانَ هَذَا نَاسِخًا لِمَا كَانَ قَبْلَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِ الْمُحْصَنِ. ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فَجَعَلَ الْحَدَّ هُوَ الْإِيذَاءَ بِالْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَعْذِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ. فَرَّقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ حَدِّ الْمُحْصَنِ وَحَدِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ الْجَلْدُ ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ فِي الْإِحْصَانِ. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُحْصَنًا بِامْرَأَتِهِ وَلَا الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حَتَّى يَكُونَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بَالِغَيْنِ قَدْ جَامَعَهَا وَهُمَا بَالِغَانِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى

وَقَالَ آخَرُونَ: يُحْصِنُ أَهْلُ الْكِتَابِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُحْصِنُ الْمُسْلِمُ النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا تُحْصِنُ النَّصْرَانِيَّةُ الْمُسْلِمَ وَقَدْ كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْإِمْلَاءِ فِيمَا حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ. فَاحْتَمَلَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى كُلِّ ثَيِّبٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الثَّيِّبِ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَنَّ الْعَبِيدَ غَيْرُ دَاخِلِينَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا وَلَا يُحْصِنُ زَوْجَتَهُ حَرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً. ⦗١٤٤⦘ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً بِزَوْجِهَا حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الثَّيِّبِ لَا عَلَى كُلِّ الثَّيِّبِ. فَلَمْ يَدْخُلْ فِيمَا أَجْمَعُوا أَنَّهُ وَقَعَ عَلَى خَاصٍّ إِلَّا مَا قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ فِيهِ دَاخِلٌ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ الْبَالِغَيْنِ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ كَانَ مِنْهُمَا الْجِمَاعُ مُحْصَنَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سِوَاهُمْ. فَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ. فَأَدْخَلْنَا فِيهِ وَلَمْ يُحِطْ عِلْمُنَا بِمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَخْرَجْنَاهُ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ يَجِيءُ فِي الْقِيَاسِ لَمَّا كَانَتِ الْأَمَةُ لَا تُحْصِنُ الْحُرَّ وَلَا يُحْصِنُهَا الْحُرُّ وَكَانَتْ هِيَ فِي عَدَمِ إِحْصَانِهَا إِيَّاهُ كَهُوَ فِي عَدَمِ إِحْصَانِهِ إِيَّاهَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ النَّصْرَانِيَّةُ فَكَمَا هِيَ لَا تُحْصِنُ زَوْجَهَا الْمُسْلِمَ كَانَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَا يُحْصِنُهَا. وَقَدْ رَأَيْنَا الْأَمَةَ أَيْضًا، لَمَّا بَطَلَ أَنْ تُحْصِنَ الْمُسْلِمَ، بَطَلَ أَنْ يُحْصِنَ الْكَافِرَ قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَا: ثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَنَسِيَهُ سَهْلٌ قَالَ حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ يَعْنِي الْحِمَّانِيَّ قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَلَقِيتُ سُهَيْلًا فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ

حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا وَهْبَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ⦗١٤٥⦘ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بَحْرٌ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي خَاصٍّ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَجِبُ أَنْ يُقْضَى فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا يُقْضَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَالُوا: أَمَّا مَا رَوَيْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ذُكِرَ فِيهِ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَقَدْ دَخَلَهُ الضَّعْفُ الَّذِي لَا يَقُومُ بِهِ مَعَهُ حُجَّةٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ زَمْعَةَ عَنْ سُهَيْلٍ فَقَدْ سَأَلَ الدَّرَاوَرْدِيُّ سُهَيْلًا عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ وَالْأُمُورِ الْمَعْرُوفَةِ إِذًا لَمَا ذَهَبَ عَلَيْهِ وَأَنْتُمْ قَدْ تُضَعِّفُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَقَلَّ مِنْ هَذَا. وَأَمَّا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ مِنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَمُنْكَرٌ أَيْضًا لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَا تُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ زَيْدٍ. وَلَوْ كَانَ عِنْدَ سُهَيْلٍ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَا أَنْكَرَ عَلَى الدَّرَاوَرْدِيِّ مَا ذَكَرْتُمْ عَنْ رَبِيعَةَ وَيَقُولُ لَهُ لَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ حَدَّثَنِي بِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَعَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ لَيْسَ بِالَّذِي يَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا بِرِوَايَتِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمُنْكَرٌ لِأَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ لَا نَعْلَمُهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِشَيْءٍ فَكَيْفَ يَحْتَجُّونَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا؟ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فَإِنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ رَوَاهُ كَمَا ذَكَرْتُمْ. وَأَمَّا الْحُفَّاظُ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَمْثَالُهُمَا فَرَوَوْهُ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ جَابِرًا وَأَنْتُمْ لَا تَحْتَجُّونَ بِعَبْدِ الْوَهَّابِ فِيمَا يُخَالِفُ فِيهِ الثَّوْرِيَّ وَمَالِكًا. ثُمَّ لَوْ لَمْ يُنَازَعْ فِي طَرِيقِ هَذَا الْحَدِيثِ وَسَلِمَتْ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي قَدْ رُوِيَتْ عَلَيْهَا لَكَانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلتَّأْوِيلِ الَّذِي لَا يَقُومُ لَكُمْ بِمِثْلِهَا مَعَهُ الْحُجَّةُ. وَذَلِكُمْ أَنَّكُمْ إِنَّمَا رَوَيْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ وَلَا الْمُسْتَحْلِفُ مَنْ هُوَ؟ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ يَمِينُ الْمُدَّعَى ⦗١٤٦⦘ عَلَيْهِ. وَإِذَا ادَّعَى الْمُدَّعِي وَلَمْ يُقِمْ عَلَى دَعْوَاهُ إِلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا فَاسْتَحْلَفَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَرَوَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا بِحُجَّةٍ أُخْرَى غَيْرَ الدَّعْوَى لَا يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ إِلَّا بِهَا. كَمَا قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَجِبُ لَهُ الْيَمِينُ فِيمَا ادَّعَى إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خُلْطَةٌ وَلَبْسٌ فَإِنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً اسْتَحْلَفَ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَسْتَحْلِفْ. فَأَرَادَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَنْفِيَ هَذَا الْقَوْلَ وَيُثْبِتَ الْيَمِينَ بِالدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الدَّعْوَى غَيْرُهَا فَهَذَا وَجْهٌ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ يَمِينُ الْمُدَّعِي مَعَ شَاهِدِهِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ شَاهِدَهُ الْوَاحِدَ كَانَ مِمَّنْ يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ عَدَلَ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عَمَّهُ، حَدَّثَهُ وَهُوَ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ فَاسْتَتْبَعَهُ لِيُقْبِضَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ. فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الْأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا لِهَذَا الْفَرَسِ فَابْتَعْهُ وَإِلَّا بِعْتُهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ: ": «أَوَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟» ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللهِ مَا بِعْتُكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» . فَطَفِقَ النَّاسُ يَلْوُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَكَ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُكَ مِمَّنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا لِلْأَعْرَابِيِّ: وَيْلَكَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ فَاسْتَمَعَ لِمُرَاجَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُرَاجَعَةِ الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ لَكَ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُكَ. فَقَالَ خُزَيْمَةُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ. فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: «بِمَ تَشْهَدُ؟» فَقَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الشَّاهِدُ الَّذِي قَدْ ذَكَرْنَا قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ فَيَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ مُسْتَحِقًّا لِمَا شَهِدَ لَهُ كَمَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ بِالشَّاهِدَيْنِ مِمَّا شَهِدَا لَهُ بِهِ فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى الْمُدَّعِي فَاسْتَحْلَفَهُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَأُرِيدَ بِنَقْلِ هَذَا الْحَدِيثِ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ وَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْخُرُوجَ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ مَعَ بَيِّنَتِهِ. فَهَذِهِ وُجُوهٌ يَحْتَمِلُهَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَضَائِهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى خَبَرٍ قَدِ احْتَمَلَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فَيَعْطِفَهُ عَلَى أَحَدِهَا بِلَا دَلِيلٍ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ ⦗١٤٧⦘ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَيْفَ يَكُونُ مُخَالِفًا لَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ مَا قَالَ؟ . بَلْ مَا خَالَفَ إِلَّا تَأْوِيلَ مُخَالِفِهِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُخَالِفْ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ

مَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي هُوَ أَهْنَأُ وَالَّذِي هُوَ أَهْدَى وَالَّذِي هُوَ أَبْقَى وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا وَهْبٌ وَأَبُو الْوَلِيدِ قَالَا: ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَفْعَلُوا وَأَنْ يُحْسِنُوا تَحْقِيقَ ظُنُونِهِمْ وَلَا يَقُولُونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ فَإِنَّهُمْ مَنْهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ مُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ هَذَا الْمُخَالِفُ وَقَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْفَعُهُ ثُمَّ السُّنَّةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا تَدْفَعُهُ أَيْضًا؟ . فَأَمَّا كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: ٢] . وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ نُزُولِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْضُوا بِشَهَادَةِ أَلْفِ رَجُلٍ وَلَا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَلَا أَقَلَّ لِأَنَّهُ لَا يُوصَلُ بِشَهَادَتِهِمْ إِلَى حَقِيقَةِ صِدْقِهِمْ. فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَا ذَكَرْنَا قَطَعَ بِذَلِكَ الْعُذْرَ وَحَكَمَ بِمَا أَمَرَ بِهِ عَلَى مَا تَعَبَّدَ بِهِ خَلْقَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيمَا تَعَبَّدُوا بِهِ. أَمَّا السُّنَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَهِيَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ جَارٍ إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا دَافَعَ عَنْهَا مَغْرَمًا. فَالْحُكْمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُخَالِفُ لَنَا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حُكْمٌ لِمُدَّعِي يَمِينِهِ فَذَلِكَ حُكْمٌ لِجَارٍ إِلَى نَفْسِهِ بِيَمِينِهِ. فَهَذِهِ سُنَّةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا تَدْفَعُ الْحُكْمَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ مَعَ مَا قَدْ دَفَعَهُ أَيْضًا مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. فَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا أَنْ نَصْرِفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى وَالسُّنَّةَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا لَا إِلَى مَا يُخَالِفُهَا أَوْ يُخَالِفُ أَحَدَهُمَا. وَلَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا مَا يَدْفَعُ الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى مَا ادَّعَى هَذَا الْمُخَالِفُ لَنَا

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، جَمِيعًا قَالَا: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ. ⦗١٤٨⦘ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ انْتَزَأَ عَلَى أَرْضِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَائِشٍ الْكِنْدِيُّ وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ. فَقَالَ لَهُ: «بَيِّنَتُكَ» فَقَالَ: لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ قَالَ: «يَمِينُهُ» قَالَ: إِذًا يَذْهَبُ بِهَا قَالَ: «لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ» . فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»

حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» ، فَقَالَ: لَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأُحَلِّفُهُ؟» ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ يَمِينٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» . فَانْطَلَقَ لِيُحَلِّفَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمَا أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِكِ ظَالِمًا لِيَأْكُلَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا جَنْدَلُ بْنُ وَالِقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمِينُكَ أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَكُمْ فِيهِ إِلَّا ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا بِغَيْرِ الْبَيِّنَةِ فَهَذَا يَنْفِي الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِنَا أَنْ نَحْمِلَ وَجْهَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ تَأْوِيلُهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا يُوَافِقُ هَذَا لَا عَلَى مَا يُخَالِفُهُ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يَكُونُ أَبَدًا إِلَّا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِالْإِسْنَادِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا النَّظَرُ فِي هَذَا فَإِنَّهُ يُغْنِينَا عَنْ ذِكْرِ أَكْثَرِ فَسَادِ قَوْلِ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. فَجَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ. فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ كَانَ حُكْمُ الْأَمْوَالِ فِي النَّظَرِ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى

وَقَدْ حَدَّثَنَا وَهْبَانُ قَالَ: ثنا أَبُو هَمَّامٍ قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُبَابُ رَدِّ الْيَمِينِقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَرُدُّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي. فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يَسْتَحْلِفُ فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى بِحَلِفِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا قَدْ رَوَيْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الْقَسَامَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» فَقَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟» . فَقَالُوا: قَدْ رَدَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَيْمَانَ الَّتِي جَعَلْنَاهَا فِي الْبَدْءِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهَا عَلَى الْمُدَّعِينَ. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ أَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْيَهُودِ رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْأَنْصَارِ فَيَرُدُّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً لِمَنْ يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْحُقُوقِ. إِنَّمَا قَالَ أَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ؟ . فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْقَسَامَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّكِيرِ مِنْهُ عَلَيْهِمْ إِذْ قَالُوا كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَقَالَ لَهُمْ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ كَمَا قَالَ: أَيَدَّعُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ. فَلَمَّا احْتَمَلَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَدُلُّهُ عَلَى ذَلِكَ. فَنَظَرْنَا فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فَإِذَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَسْتَحِقُّ بِدَعْوَاهُ دَمًا وَلَا مَالًا وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهَا يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَاصَّةً. هَذَا حَدِيثٌ ظَاهِرُ الْمَعْنَى وَلَا لَنَا أَنْ نَحْمِلَ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا مَعْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّا رَأَيْنَا الْمُدَّعِيَ الَّذِي عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى دَعْوَاهُ لَا تَكُونُ حُجَّتُهُ تِلْكَ حُجَّةً جَارَّةً إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَلَا دَافِعَةً عَنْهَا مَغْرَمًا. فَلَمَّا وَجَبَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَرَدُّوهَا عَلَى الْمُدَّعِي فَإِنِ اسْتَحْلَفْنَا الْمُدَّعِيَ جَعَلْنَا يَمِينَهُ حُجَّةً لَهُ وَحَكَمْنَا لَهُ بِحُجَّةٍ كَانَتْ مِنْهُ هُوَ بِهَا جَارٌّ إِلَى نَفْسِهِ مَغْنَمًا وَهَذَا خِلَافُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ الْعُبَّادُ فَبَطَلَ ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ بِهَا جَارًّا إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: وَهَلْ يُوجِبُ رِضَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ زَوَالُ الْحُكْمِ عَنْ جِهَتِهِ؟ . أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ مَا ادَّعَى عَلَى فُلَانٍ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ فَادَّعَى عَلَيْهِ دِرْهَمًا فَمَا فَوْقَهُ هَلْ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ؟أَرَأَيْتَ لَوْ قَالَ قَدْ رَضِيتُ بِمَا شَهِدَ بِهِ زَيْدٌ عَلَيَّ لِرَجُلٍ فَاسِقٍ أَوْ لِرَجُلٍ جَارٍّ إِلَى نَفْسِهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ مَغْنَمًا، فَشَهِدَ زَيْدٌ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ هَلْ يُحْكَمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؟ فَلَمَّا كَانُوا قَدِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ رِضَاهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرَ رِضَاهُ سَوَاءٌ وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ رَضِيَ إِلَّا بِمَا كَانَ يَجِبُ لَوْ لَمْ يَرْضَ كَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا يَمِينُ الْمُدَّعِي لَا يَجِبُ لَهُ بِهَا حَقٌّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنْ رَضِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهِ بِذَلِكَ. وَالْحُكْمُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ رِضَاهُ بِهَا كَحُكْمِهَا قَبْلَ ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا بُطْلَانَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامِي فِيكُمُ الْيَوْمَ فَقَالَ: «أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُوَا الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا يُسْأَلُهَا وَحَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الْيَمِينِ لَا يُسْتَحْلَفُ»

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُشَيْشٍ قَالَ: ثنا عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَحْسِنُوا إِلَى أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُوَا الْكَذِبُ»

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ كَهْمَسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا مَذْمُومٌ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ مَأْجُورٌ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي دَفْعِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا يُسْأَلَهَا وَحَتَّى يَحْلِفَ عَلَى الْيَمِينِ لَا يُسْتَحْلَفُ. فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ كَاذِبًا أَوْ يَحْلِفَ كَاذِبًا لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى يَفْشُوَ الْكَذِبُ فَيَكُونَ كَذَا وَكَذَا. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ إِذَا فَشَا الْكَذِبُ إِلَّا كَذِبًا وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ فَيَفْشُو الْكَذِبُ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى لِقَوْلِهِمْ أَيْضًا

بِمَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا نُعَيْمٌ قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَهُمْ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ ⦗١٥١⦘ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَكْرِمُوا أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ قَبَلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ»

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثنا عَارِمٌ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، قَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ أَذَكَرَ الثَّالِثَ أَمْ لَا؟ «ثُمَّ يَفْشُو قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَفْشُو فِيهِمُ الْيَمِينُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَزَّارُ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ زَهْدَمِ بْنِ مُضَرِّبٍ الْجَرْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي» ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ قَالُوا: فَقَدْ ذَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ. قِيلَ لَهُمْ: هَذَا عَلَى الَّذِي لَا يُسْتَشْهَدُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ فَيَكُونُ فِي شَهَادَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدًا بِمَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُهُ. فَعَادَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا

مَا حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُكَذَّبُ فِيهِ الصَّادِقُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ الْكَاذِبُ وَيُخَوَّنُ فِيهِ الْأَمِينُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهِ الْخَئُونُ وَيَشْهَدُ فِيهِ الْمَرْءُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ وَيَحْلِفُ الْمَرْءُ وَإِنْ لَمْ يُسْتَحْلَفْ

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، ح

وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَا جَمِيعًا عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ، ثُمَّ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا " ثُمَّ يَخْلُفُ بَعْدَهُمْ خُلُوفٌ يُعْجِبُهُمُ السَّمَانَةُ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ أُمَّتُكَ خَيْرٌ؟ قَالَ: «أَنَا وَقَرْنِي» . قَالَ: قُلْنَا ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْقَرْنُ الثَّانِي» قَالَ: قُلْنَا ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْقَرْنُ الثَّالِثُ» . قَالَ: قُلْنَا: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ وَيُؤْتَمَنُونَ وَلَا يُؤَدُّونَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَالْكَلَامُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي تَأْوِيلِ الْآثَارِ الَّتِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا

بِمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ وَسُلَيْمَانَ أَيِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيْدَةَ أَيِ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ⦗١٥٢⦘ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ سِكِّيتٍ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عَفَّانَ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْلَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَهُوَ يَقُولُ اللهُمَّ أَلْحِقْنِي بِقَرْنِي الَّذِي أَنَا مِنْهُ ثَلَاثًا وَأَنَا مَعَهُ. فَقُلْتُ: وَأَنَا فَدَعَا لِي ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَاتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَاتِهِمْ»

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَاتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَاتِهِمْ»

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ وَزَادَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَى الَّذِينَ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآثَارِ لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَمْ يُرِدْ بِهَا الشَّهَادَةَ عَلَى الْحُقُوقِ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الشَّهَادَةُ فِي الْأَيْمَانِ وَقَدْ رُوِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ: أنا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ أَصْحَابُنَا يَنْهَوْنَنَا وَنَحْنُ غِلْمَانٌ أَنْ نَحْلِفَ بِالشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ فَدَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ الَّتِي ذَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَهَا هِيَ قَوْلُ الرَّجُلِ أَشْهَدُ بِاللهِ مَا كَانَ كَذَا عَلَى مَعْنَى الْحَلِفِ فَكَرِهَ ذَلِكَ كَمَا يُكْرَهُ الْحَلِفُ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلرَّجُلِ الْإِكْثَارُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا. فَنَهَى عَنِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ حَلِفٌ كَمَا نَهَى عَنِ الْيَمِينِ إِلَّا أَنْ يُسْتَحْلَفَ بِهَا فَيَكُونَ حِينَئِذٍ مَعْذُورًا. وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا الْحَلِفَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ، فَتَكُونُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ شَهَادَةَ كَذِبٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْضِيلِ الشَّاهِدِ الْمُبْتَدِئِ بِالشَّهَادَةِ

مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهَا أَوْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» قَالَ مَالِكٌ: الَّذِي يُخْبِرُ بِشَهَادَتِهِ وَلَا يَعْلَمُ بِهَا الَّذِي هِيَ لَهُ أَوْ يَأْتِي بِهَا الْإِمَامَ فَيَشْهَدُ بِهَا عِنْدَهُ وَجَعَلَهُ خَيْرَ الشُّهَدَاءِ ⦗١٥٣⦘ فَأَوْلَى بِنَا أَنْ نَحْمِلَ الْآثَارَ الْأُوَلَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ تَأْوِيلِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْهَا حَتَّى لَا تَتَضَادَّ وَلَا تَخْتَلِفَ وَلَا يَدْفَعَ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَتَكُونُ الْآثَارُ الْأُوَلُ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا وَتَكُونَ هَذِهِ الْآثَارُ الْأُخَرُ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُبْتَدِئِ بِالشَّهَادَةِ مَنْ هِيَ لَهُ أَوِ الْمُخْبِرُ بِهَا الْإِمَامُ. وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَوْا الْإِمَامَ فَشَهِدُوا ابْتِدَاءً مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ حِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَرَأَوْا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ لَازِمًا وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ عُمَرُ عَلَى ابْتِدَائِهِمْ إِيَّاهُ بِذَلِكَ بَلْ سَمِعَ شَهَادَاتِهِمْ. وَلَوْ كَانُوا فِي ذَلِكَ مَذْمُومِينَ لَذَمَّهُمْ مَنْ سَأَلَكُمْ عَنْ هَذَا؟ أَلَا قَعَدْتُمْ حَتَّى تُسْأَلُوا؟ . فَلَمَّا سَمِعَ مِنْهُمْ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ فَرْضَهُمْ كَذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لَا عَنْ مَسْأَلَةٍ مَحْمُودٌ. فَمِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ: ثنا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَشِيدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَشَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُ عُمَرَ حَتَّى عَرَفْنَا ذَلِكَ فِيهِ وَأَنْكَرَ لِذَلِكَ. وَجَاءَ آخَرُ يُحَرِّكُ بِيَدَيْهِ فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا سَلْخَ الْعِقَابِ؟» وَصَاحَ أَبُو عُثْمَانَ صَيْحَةً تُشَبَّهُ بِهَا صَيْحَةَ عُمَرَ حَتَّى كَرُبْتُ أَنْ يُغْشَى عَلَيَّ. قَالَ: رَأَيْتُ أَمْرًا قَبِيحًا قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُشَمِّتِ الشَّيْطَانَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَأَمَرَ بِأُولَئِكَ النَّفَرِ فَجُلِدُوا»

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ أَرْبَعَةٌ فَنَكَلَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَجَلَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الثَّلَاثَةَ وَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابَ الِاثْنَانِ , وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَتُوبَ فَكَانَ يَقْبَلُ شَهَادَتَهُمَا حِينَ تَابَا وَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ أَبَى أَنْ يَتُوبَ وَكَانَ مِثْلَ التَّصَوُّمِ مِنَ الْعِبَادَةِ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُمَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الطُّفَيْلِ، قَالَ: أَقْبَلَ رَهْطٌ مَعَهُمُ امْرَأَةٌ حَتَّى نَزَلُوا فَتَفَرَّقُوا فِي حَوَائِجِهِمْ فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ فَرَجَعُوا وَهُوَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ يَهُبُّ كَمَا يَهُبُّ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ. وَقَالَ الرَّابِعُ: أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي لَمْ أَرَهُ يَهُبُّ فِيهَا رَأَيْتُ سِخْتَلَيْهِ يَعْنِي خُصْيَتَيْهِ، يَضْرِبَانِ اسْتَهَا وَرِجْلَاهَا مِثْلُ أُذُنَيْ حِمَارٍ. وَعَلَى مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيُّ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ. ⦗١٥٤⦘ فَكَتَبَ عُمَرُ إِنْ شَهِدَ رَابِعٌ بِمِثْلِ مَا شَهِدَ الثَّلَاثَةُ فَقَدِّمْهُمَا أَجْلِدْهُمَا وَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ فَارْجُمْهُمَا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ إِلَّا بِمَا كَتَبْتَ بِهِ إِلَيَّ فَاجْلِدِ الثَّلَاثَةَ وَخَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ. قَالَ: فَجَلَدَ الثَّلَاثَةَ وَأَخْلَى سَبِيلَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدَ بَعْضُهُمُ ابْتِدَاءً وَقَبِلَهَا بَعْضُهُمْ وَحَضَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ فَلَمْ يُنْكِرْ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَثَبَتَ أَنَّ مَعَانِيَ الْآثَارِ الْأُوَلِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعَانِيهَا الَّتِي وَصَفْنَاهَا فِي مَوَاضِعِهَا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَاحَةَ وَأُمَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أُمَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِي الْخَصْمُ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْأُوَيْسِيُّ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهُ»

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِي الْخَصْمُ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ وَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ لِيَدَعْهَا» . فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لِأَخِي. ⦗١٥٥⦘ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا هَذَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: أنا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ حَاكِمٌ مِنْ تَمْلِيكِ مَالٍ أَوْ إِنَالَةِ مِلْكٍ عَنْ مَالٍ أَوْ مِنْ إِثْبَاتِ نِكَاحٍ أَوْ مِنْ حِلِّهِ بِطَلَاقٍ أَوْ بِمَا أَشْبَهَهُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى حُكْمِ الْبَاطِنِ وَأَنَّ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ كَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدَانِ وَعَلَى خِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الْحُكْمِ الظَّاهِرِ لَمْ يَكُنْ قَضَاءُ الْقَاضِي مُوجِبًا شَيْئًا مِنْ تَمْلِيكٍ وَلَا تَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ تَمْلِيكِ مَالٍ فَهُوَ عَلَى حُكْمِ الْبَاطِنِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» . وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءٍ بِطَلَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ بِشُهُودٍ ظَاهِرُهُمُ الْعَدَالَةُ وَبَاطِنُهُمُ الْجُرْحَةُ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَى ظَاهِرِهِمِ الَّذِي تَعَبَّدَ اللهَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ مِثْلِهِمْ مَعَهُ فَذَلِكَ يَحْرُمُ فِي الْبَاطِنِ كَحُرْمَتِهِ فِي الظَّاهِرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ وَقَالَ لَهُمَا: «حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» . قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ صَدَاقِي الَّذِي أَصْدَقْتُهَا؟ قَالَ: «لَا مَالَ لَكَ عَلَيْهَا إِنْ كُنْتَ أَصْدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهُ»

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ: " شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا هِلَالٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمُ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ . فَقَالَ عَاصِمٌ: يَا عُوَيْمِرُ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَهُ عَنْهَا. ⦗١٥٦⦘ فَقَالَ: عُوَيْمِرٌ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَطَ النَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ اذْهَبْ فَائِتِ بِهَا» . قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا الْوَهْبِيُّ قَالَ: ثنا الْمَاجِشُونِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: جَاءَنِي عُوَيْمِرٌ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ عَلِمَ الْكَاذِبُ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُلَاعِنْ لَوْ عَلِمَ أَنَّ الْمَرْأَةَ صَادِقَةٌ لَحَدَّ الزَّوْجَ لَهَا بِقَذْفِهِ إِيَّاهَا. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الزَّوْجَ صَادِقٌ لَحَدَّ الْمَرْأَةَ بِالزِّنَا الَّذِي كَانَ مِنْهَا. فَلَمَّا خَفِيَ الصَّادِقُ مِنْهُمَا عَلَى الْحَاكِمِ وَجَبَ حُكْمٌ آخَرُ فَحَرَّمَ الْفَرْجَ عَلَى الزَّوْجِ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الْبَاطِنِ. فَلَمَّا شَهِدَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثَبَتَ أَنَّ كَذَلِكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَالْقَضَاءُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ أَمْوَالٍ أَنَّهُ عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ لَا عَلَى حُكْمِ الْبَاطِنِ وَأَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي يَحْدُثُ فِي ذَلِكَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا وَأَنَّهُ خِلَافُ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُقْضَى بِهَا عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. فَتَكُونُ الْآثَارُ الْأُوَلُ هِيَ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمْوَالِ وَالْآثَارُ الْأُخَرُ هِيَ فِي الْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْأَمْوَالِ مِنْ ثَبَاتِ الْعُقُودِ وَحِلِّهَا حَتَّى تَتَّفِقَ مَعَانِي وُجُوهِ الْآثَارِ وَالْأَحْكَامِ وَلَا تَتَضَادَّ. وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَرَادَّانِ. فَتَعُودُ الْجَارِيَةُ إِلَى الْبَائِعِ وَيَحِلُّ لَهُ فَرْجُهَا وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَلَوْ عَلِمَ الْكَاذِبُ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ إِذًا لَقَضَى بِمَا يَقُولُ الصَّادِقُ وَلَمْ يَقْضِ بِفَسْخِ بَيْعٍ وَلَا بِوُجُوبِ حُرْمَةِ فَرْجِ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا كَانَ كَذَلِكَ كُلُّ قَضَاءٍ بِتَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ حِلِّهِ عَلَى مَا حَكَمَ الْقَاضِي فِيهِ فِي الظَّاهِرِ لَا عَلَى حُكْمِهِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ بِمِصْرَ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَذَهَبَ بِي إِلَى رَجُلٍ فَقُلْتُ: مِمَّنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ فَقَالَ: أَنَا سُرَّقٌ فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللهُ مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَأَنْتَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّانِي سُرَّقًا فَلَنْ أَدَعَ ذَلِكَ أَبَدًا. قُلْتُ: وَلِمَ سَمَّاكَ سُرَّقًا؟ قَالَ: لَقِيَتْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِبَعِيرَيْنِ لَهُ يَبِيعُهُمَا فَابْتَعْتُهُمَا مِنْهُ وَقُلْتُ لَهُ: انْطَلَقَ مَعِي حَتَّى أُعْطِيَكَ فَدَخَلْتُ بَيْتِي ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ خَلَفٍ لِي وَقَضَيْتُ بِثَمَنِ الْبَعِيرَيْنِ حَاجَتِي وَتَغَيَّبْتُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ قَدْ خَرَجَ. فَخَرَجَتْ وَالْأَعْرَابِيُّ مُقِيمٌ فَأَخَذَنِي فَقَدَّمَنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قُلْتُ: قَضَيْتُ بِثَمَنِهِمَا حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَاقْضِهِ» ، قَالَ: قُلْتُ لَيْسَ عِنْدِي قَالَ: «أَنْتَ سُرَّقٌ اذْهَبْ بِهِ يَا أَعْرَابِيُّ فَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ حَقَّكَ» . قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسَ يَسُومُونَهُ فِي وَيَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ فَيَقُولُ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ نَبْتَاعَهُ مِنْكَ , فَنُعْتِقُهُ قَالَ: فَوَاللهِ إِنْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي اذْهَبْ فَقَدْ أَعْتَقْتُكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوَارِثِ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُقَالُ لَهُ سُرَّقٌ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الِاسْمُ؟ فَقَالَ: سَمَّانِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّهُ يَقْدُمُ لِي مَالٌ فَبَايَعُونِي فَاسْتَهْلَكْتُ أَمْوَالَهُمْ فَأَتَوْا بِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَنْتَ سُرَّقٌ فَبَاعَنِي بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ» . فَقَالَ لَهُ غُرَمَاؤُهُ: مَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: «أُعْتِقُهُ» قَالُوا: مَا نَحْنُ بِأَزْهَدَ فِي الْآخَرِ مِنْكَ فَأَعْتَقُونِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْعُ الْحُرِّ فِي الدَّيْنِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَبْتَاعُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يَقْضِيهِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى نَسَخَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فَقَالَ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: ٢٨٠] . وَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الَّذِي ابْتَاعَ الثِّمَارَ فَأُصِيبَ بِهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقُوا» ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» . وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا. فَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَائِهِ: «لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي بَيْعِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَبَاعَهُ لَهُمْ كَمَا بَاعَ سُرَّقًا فِي دَيْنِهِ لِغُرَمَائِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمِيعًا رَحِمَهُمُ اللهُ

حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْجِيزِيُّ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالًا وَعِيَالًا وَإِنَّ لِأَبِي مَالًا وَعِيَالًا وَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي إِلَى مَالِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: ثنا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِي مَالًا وَلِي وَلَدًا يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا كَسَبَهُ الِابْنُ مِنْ مَالٍ فَهُوَ لِأَبِيهِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: مَا كَسَبَ الِابْنُ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً دُونَ أَبِيهِ. وَقَالُوا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لَيْسَ عَلَى التَّمْلِيكِ مِنْهُ لِلْأَبِ كَسْبُ الِابْنِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلِابْنِ أَنْ يُخَالِفَ الْأَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْ تَجْعَلَ أَمْرَهُ فِيهِ نَافِذًا كَأَمْرِهِ فِيمَا يَمْلِكُ. أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَلَمْ يَكُنِ الِابْنُ مَمْلُوكًا لِأَبِيهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَالِهِ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ

وَقَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ» . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّمَا أَنَا وَمَالِي لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ فَلَمْ يُرِدْ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ مِلْكٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَهُ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنَّ أَمْرَهُ يَنْفُذُ فِيهِ وَفِي نَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَهُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرُمَ أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ كَمَا حَرُمَ دِمَاؤُهُمْ وَلَمْ يُسْتَثْنَ فِي ذَلِكَ وَالِدًا وَلَا غَيْرَهُ

فَمِمَّا رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ ح

وَحَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا وَهْبٌ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ قَالُوا: ثنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: فِي غَزْوَتِي هَذِهِ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: نَعَمْ يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: «صَدَقْتُمْ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ» . قَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ شَهْرٍ هَذَا؟» قَالُوا: نَعَمْ ذُو الْحِجَّةِ، قَالَ: «صَدَقْتُمْ شَهْرُ اللهِ الْأَصَمُّ. هَلْ تَدْرُونَ أَيَّ بَلَدٍ هَذَا؟» ، قَالُوا: نَعَمْ، الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ قَالَ: «صَدَقْتُمْ» . ⦗١٥٩⦘ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَشْهَبِ الْبَكْرَاوِيُّ هُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " إِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ حَرَامٌ بَيْنَكُمْ فِي مِثْلِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي مِثْلِ بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُرَاهُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ حُرْمَةً هَذَا الْيَوْمُ وَإِنَّ أَعْظَمَ الشُّهُورِ حُرْمَةً هَذَا الشَّهْرُ وَإِنَّ أَعْظَمَ الْبُلْدَانِ حُرْمَةً هَذَا الْبَلَدُ وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ هَذَا الْيَوْمِ وَهَذَا الشَّهْرِ وَهَذَا الْبَلَدِ هَلْ بَلَّغْتُ؟» ، قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: «اللهُمَّ اشْهَدْ»

حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: ثنا دُحَيْمُ بْنُ الْيَتِيمِ قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ ثنا هِشَامُ بْنُ الْغَارِ الْجُرَشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَفَّانَ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَادِيَةَ الْجُهَنِيَّ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَارِفِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ عُرْوَةَ أَبُو عُرْوَةَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرْمَةَ الْأَمْوَالِ كَحُرْمَةِ الْأَبْدَانِ. فَكَمَا لَا يَحِلُّ أَبْدَانُ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ إِلَّا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ فَكَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: نُرِيدُ أَنْ يُوجَدَ مَا ذَكَرْتُ فِي الْأَبِ مَنْصُوصًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ:

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: «أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ» . فَقَالَ الرَّجُلُ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةَ ابْنِي أَفَأُضَحِّي بِهَا. قَالَ: «لَا وَلَكِنَّكَ تَأْخُذُ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ وَتَقُصُّ شَارِبَكَ وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ أُضَحِّي بِمَنِيحَةِ ابْنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا» . وَقَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ مِنْ مَالِهِ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَالِ ابْنِهِ خِلَافُ مَالِهِ. ⦗١٦٠⦘ مَعَ أَنَّ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِنَا حَمْلُ هَذِهِ الْآثَارِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: ١١] ثُمَّ قَالَ {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: ١١] . فَوَرَّثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَ الْوَلَدِ مَعَ الْوَالِدِ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لِلْأَبِ فِي حَيَاةِ الِابْنِ ثُمَّ يَصِيرُ بَعْضُهُ لِغَيْرِ الْأَبِ. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: ١١] فَجَعَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوَارِيثَ لِلْوَالِدِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنٍ إِنْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَبَعْدَ إِنْفَاذِ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْأَبَ لَا يَقْضِي مِنْ مَالِهِ دَيْنَ ابْنِهِ وَلَا يُنَفِّذُ وَصَايَا أَبِيهِ مِنْ مَالِهِ فَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الِابْنَ إِذَا مَلَكَ مَمْلُوكَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَهِيَ مِمَّنْ أَبَاحَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَطْأَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: ٦] فَلَوْ كَانَ مَالُهُ لِأَبِيهِ إِذًا لَحُرُمَ عَلَيْهِ وَطْءُ مَا كَسَبَ مِنَ الْجَوَارِي كَحُرْمَةِ وَطْءِ جِوَارِي أَبِيهِ عَلَيْهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى انْتِفَاءِ مِلْكِ الْأَبِ لِمَالِ الِابْنِ وَأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ فِيهِ ثَابِتٌ دُونَ أَبِيهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , قَالَتْ: " دَخَلَ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ , عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا , وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا , فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ , بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ , فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْرُورًا , تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ , فَقَالَ: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا , نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ , فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْدَامِ , مِنْ بَعْضٍ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَاحْتَجَّ قَوْمٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ , فَزَعَمُوا أَنَّ فِيهِ مَا قُدِّرَ لَهُمْ أَنَّ الْقَافَةَ , يُحْكَمُ بِقَوْلِهِمْ , وَيَثْبُتُ بِهِ الْأَنْسَابُ. قَالُوا: وَلَوْلَا ذَلِكَ , لَأَنْكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُجَزِّزٍ , وَلَقَالَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ . فَلَمَّا سَكَتَ , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ , دَلَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ , مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى حَقِيقَةٍ , يَجِبُ بِهَا الْحُكْمُ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَافَةِ فِي نَسَبٍ , وَلَا غَيْرِهِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ سُرُورَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ , الَّذِي ذَكَرُوا فِي حَدِيثِ ⦗١٦١⦘ عَائِشَةَ , لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا تَوَهَّمُوا , مِنْ وَاجِبِ الْحُكْمِ بِقَوْلِ الْقَافَةِ , لِأَنَّ أُسَامَةَ قَدْ كَانَ نَسَبُهُ , ثَبَتَ مِنْ زَيْدٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَمْ يَحْتَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ , وَلَوْلَا ذَلِكَ , لَمَا كَانَ دُعِيَ أُسَامَةُ فِيمَا تَقَدَّمَ إِلَى زَيْدٍ. إِنَّمَا تَعَجَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِصَابَةِ مُجَزِّزٍ , كَمَا يُتَعَجَّبُ مِنْ ظَنِّ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُ بِظَنِّهِ , حَقِيقَةَ الشَّيْءِ الَّذِي ظَنَّهُ وَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ. فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِثْبَاتَ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِيمَا تَقَدَّمَ , فَهَذَا مَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ رُوِيَ فِي أَمْرِ الْقَافَةِ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , مَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ هَذَا

حَدَّثَنَا ابْنُ دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا , أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ:. فَمِنْهُ أَنْ يَجْتَمِعَ الرِّجَالُ الْعَدَدُ عَلَى الْمَرْأَةِ , لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا , وَهُنَّ الْبَغَايَا , وَكُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ فَيَطَؤُهَا كُلُّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا , فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا , جُمِعَ لَهُمُ الْقَافَةُ , فَأَيُّهُمْ أَلْحَقُوهُ بِهِ , كَانَ أَبَاهُ , وَدُعِيَ ابْنَهُ , لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ , هَدَمَ ذَلِكَ النِّكَاحَ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الْحُكْمُ وَأَقَرَّ النَّاسَ عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ الْقَافَةِ , وَجَعَلَ الْوَلَدَ لِأَبِيهِ الَّذِي يَدَّعِيهِ , فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ بِذَلِكَ , وَنُسِخَ الْحُكْمُ الْمُتَقَدِّمُ , الَّذِي كَانَ يُحْكَمُ فِيهِ بِقَوْلِ الْقَافَةِ. وَقَدْ كَانَ أَوْلَادُ الْبَغَايَا , الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , مَنِ ادَّعَى أَحَدًا مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ , لَحِقَ بِهِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،

وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أنا أَنَسٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَالَ أَنَسٌ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ، كَانَ يُنِيطُ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ بِهِنَّ مَنِ ادَّعَى بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُلْحَقُونَ بِهِمْ بِقَوْلِ الْقَافَةِ , فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ كَالْبَيِّنَةِ , الَّتِي تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُمْ مُسْتَعْمَلًا فِي الْإِسْلَامِ , كَمَا كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ , إِذًا لَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا هُدِمَ , إِذَا كَانَ قَدْ يَجِبُ بِهِ عُلِمَ أَنَّ الصَّبِيَّ مِمَّنْ وَطِئَ أَمَةً مِنَ الرِّجَالِ فَفِي نَسْخِ ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّ قَوْلَهُمْ: لَمْ يَجِبْ بِهِ حُكْمٌ بِثُبُوتِ النَّسَبِ. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِمْ أَيْضًا

بِمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ , أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا عُمَرَ , كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ. فَدَعَا لَهُمَا رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبٍ , قَائِفًا , فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا , فَقَالَ لِعُمَرَ: لَقَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ , ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ , فَقَالَ: أَخْبِرِينِي خَبَرَكَ , قَالَتْ: كَانَ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ يَأْتِيهَا , وَهِيَ فِي إِبِلِ أَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا , حَتَّى تَظُنَّ أَنْ قَدِ ⦗١٦٢⦘ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ , ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهَا فَأَهْرَاقَتْ عَلَيْهِ دَمًا , ثُمَّ خَلَفَهَا ذَا , تَعْنِي الْآخَرَ , فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ , لَا يَدْرِي مِمَّنْ هُوَ , فَكَبَّرَ الْكَعْبِيُّ , فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: «وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ»

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، حَدَّثَهُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَى رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , يَخْتَصِمَانِ فِي غُلَامٍ مِنْ وِلَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ , يَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي , وَيَقُولُ هَذَا: هُوَ ابْنِي. فَدَعَا لَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَائِفًا مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ , فَسَأَلَهُ عَنِ الْغُلَامِ , فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْمُصْطَلِقِيُّ , ثُمَّ قَالَ لِعُمَرَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ , إِنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا. فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى ضَجَعَ ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ , لَقَدْ ذَهَبَ بِكَ النَّظَرُ إِلَى غَيْرِ مَذْهَبٍ» . ثُمَّ دَعَا أُمَّ الْغُلَامِ فَسَأَلَهَا , فَقَالَتْ: «إِنَّ هَذَا لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ , قَدْ كَانَ غَلَبَ عَلَيَّ النَّاسُ , حَتَّى وَلَدْتُ لَهُ أَوْلَادًا , ثُمَّ وَقَعَ بِي عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ يَفْعَلُ , فَحَمَلْتُ , فِيمَا أَرَى , فَأَصَابَنِي هِرَاقَةٌ مِنْ دَمٍ , حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ لَا شَيْءَ فِي بَطْنِي , ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْآخَرَ , وَقَعَ بِي , فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ؟» . فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: «اتَّبِعْ أَيَّهُمَا شِئْتَ فَاتَّبَعَ أَحَدَهُمَا» . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبٍ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَّبِعًا لِأَحَدِهِمَا , فَذَهَبَ بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «قَاتَلَ اللهُ أَخَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ» قَالُوا: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ عُمَرَ حَكَمَ بِالْقَافَةِ , فَقَدْ وَافَقَ مَا تَأَوَّلْنَا فِي حَدِيثِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِي. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْآخَرِينَ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ , مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا قَالُوا , وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ , أَنَّ الْقَائِفَ قَالَ هُوَ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَلَمْ يَجْعَلْهُ عُمَرُ كَذَلِكَ , وَقَالَ لَهُ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ عَلَى مَا يَجِبُ فِي صَبِيٍّ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ فَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا , كَانَ أَبَاهُ , فَلَمَّا رَدَّ عُمَرُ ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الصَّبِيِّ الْمُدَّعِي إِذَا ادَّعَاهُ رَجُلَانِ , وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ قَائِفٌ , لَا إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَافَةَ لَا يَجِبُ بِقَوْلِهِمْ ثُبُوتُ نَسَبٍ مِنْ أَحَدٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ , أَنَّهُ جَعَلَهُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ جَمِيعًا

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلَيْنِ، اشْتَرَكَا فِي ظَهْرِ امْرَأَةٍ , فَوَلَدَتْ , فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ فَقَالُوا: أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبٌ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، نَحْوُهُ. قَالَ: فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: لِمَنْ تَرَى مِيرَاثَهُ؟ قَالَ هُوَ لِآخِرِهِمَا مَوْتًا

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ أَبِي جَمِيلَةَ , عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي رَجُلٍ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ , كِلَاهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُهُ , وَذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَدَعَا عُمَرُ أُمَّ الْغُلَامِ الْمُدَّعَى , فَقَالَ: «أُذَكِّرُكَ بِالَّذِي هَدَاكَ لِلْإِسْلَامِ , لِأَيِّهِمَا هُوَ؟» . قَالَتْ: «لَا وَالَّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ , مَا أَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟ أَتَانِي هَذَا أَوَّلَ اللَّيْلِ , وَأَتَانِي هَذَا آخِرَ اللَّيْلِ , فَمَا أَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟» . قَالَ: فَدَعَا عُمَرُ مِنَ الْقَافَةِ أَرْبَعَةً , وَدَعَا بِبَطْحَاءَ فَنَثَرَهَا , فَأَمَرَ الرَّجُلَيْنِ الْمُدَّعِيَيْنِ فَوَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدَمٍ , وَأَمَرَ الْمُدَّعَى فَوَطِئَ بِقَدَمٍ , ثُمَّ أَرَاهُ الْقَافَةَ قَالَ: انْظُرُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ فَلَا تَتَكَلَّمُوا , حَتَّى أَسْأَلَكُمْ قَالَ: فَنَظَرَ الْقَافَةُ , فَقَالُوا: قَدْ أَثْبَتْنَا , ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ , ثُمَّ سَأَلَهُمْ رَجُلًا رَجُلًا قَالَ: فَتَقَادَعُوا , يَعْنِي فَتَبَايَعُوا , كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ هَذَا لَمِنْ هَذَيْنِ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: «يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ , قَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْبَةَ تُلَقَّحُ بِالْكِلَابِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ , وَلَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ النِّسَاءَ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا , إِنِّي لَا أَرُدُّ مَا يَرَوْنَ , اذْهَبْ فَهُمَا أَبَوَاكَ»

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ، اشْتَرَكَا فِي ظَهْرِ امْرَأَةٍ , فَوَلَدَتْ لَهُمَا وَلَدًا , فَارْتَفَعَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , فَدَعَا لَهُمَا ثَلَاثَةً مِنَ الْقَافَةِ , فَدَعَا بِتُرَابٍ فَوَطِئَ فِيهِ الرَّجُلَانِ وَالْغُلَامُ. ثُمَّ قَالَ لِأَحَدِهِمْ: «انْظُرْ , فَنَظَرَ» , فَاسْتَقْبَلَ وَاسْتَعْرَضَ , وَاسْتَدْبَرَ , ثُمَّ قَالَ: أُسِرُّ أَوْ أُعْلِنُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: «بَلْ أَسِرَّ» . فَقَالَ: لَقَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا , فَمَا أَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟ فَأَجْلَسَهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ أَيْضًا: " انْظُرْ , فَنَظَرَ , وَاسْتَقْبَلَ , وَاسْتَعْرَضَ , وَاسْتَدْبَرَ , ثُمَّ قَالَ: أُسِرُّ أَوْ أُعْلِنُ؟ قَالَ: «بَلْ أَسِرَّ» . قَالَ لَقَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا , فَلَا أَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟ وَأَجْلَسَهُ. ثُمَّ أَمَرَ الثَّالِثَ فَنَظَرَ , فَاسْتَقْبَلَ , وَاسْتَعْرَضَ وَاسْتَدْبَرَ , ثُمَّ قَالَ: أُسِرُّ أَمْ أُعْلِنُ؟ . قَالَ: لَقَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا جَمِيعًا , فَمَا أَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟ . فَقَالَ عُمَرُ: «إِنَّا نَعْرِفُ الْآثَارَ بِقَوْلِهَا ثَلَاثًا» , وَكَانَ عُمَرُ قَالَهَا , فَجَعَلَهُ لَهُمَا , يَرِثَانِهِ وَيَرِثُهُمَا. فَقَالَ لِي سَعِيدٌ: أَتَدْرِي عَنْ عَصَبَتِهِ؟ قُلْتُ: لَا , قَالَ: الْبَاقِي مِنْهُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَيْسَ يَخْلُو حُكْمُهُ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالدَّعْوَى لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ ادَّعَيَا الصَّبِيَّ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا , فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا بِدَعْوَاهُمَا , أَوْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ. فَكَانَ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِقَوْلِ الْقَافَةِ , لَا يَحْكُمُونَ بِقَوْلِهِمْ إِذَا قَالُوا: هُوَ ابْنُ هَذَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُمْ كَذَلِكَ , ثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِمَا , أَنْ يَكُونَ قَضَاءُ عُمَرَ بِالْوَلَدِ لِلرَّجُلَيْنِ , كَانَ بِغَيْرِ قَوْلِ الْقَافَةِ. ⦗١٦٤⦘ وَفِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ الْقَافَةُ لَا نَدْرِي لِأَيِّهِمَا هُوَ؟ فَجَعَلَهُ عُمَرُ بَيْنَهُمَا. وَالْقَافَةُ لَمْ يَقُولُوا: هُوَ ابْنُهُمَا , فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ , أَثْبَتَ نَسَبَهُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ بِدَعْوَاهُمَا , وَلِمَا لَهُمَا عَلَيْهِ مِنَ الْيَدِ , لَا بِقَوْلِ الْقَافَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتَهُ , فَمَا كَانَ احْتِيَاجُ عُمَرَ إِلَى الْقَافَةِ , حَتَّى دَعَاهُمْ؟ . قِيلَ لَهُ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا , وَاللهُ أَعْلَمُ , أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَقَعَ بِقَلْبِهِ أَنَّ حَمْلًا لَا يَكُونُ مِنْ رَجُلَيْنِ , فَيَسْتَحِيلُ إِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَلِدْهُ , فَدَعَا الْقَافَةَ , لِيَعْلَمَ مِنْهُمْ , هَلْ يَكُونُ وَلَدٌ يُحْمَلُ بِهِ مِنْ نُطْفَتَيْ رَجُلَيْنِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا , فِي حَدِيثِ أَبِي الْمُهَلَّبِ. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ الْقَافَةُ بِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ , وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ , رَجَعَ إِلَى الدَّعْوَى الَّتِي كَانَتْ مِنَ الرَّجُلَيْنِ , فَحَكَمَ بِهَا , فَجَعَلَ الْوَلَدَ ابْنَهُمَا جَمِيعًا , يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ , فَذَلِكَ حُكْمٌ بِالدَّعْوَى , لَا بِقَوْلِ الْقَافَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا

مَا حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ , قَالَ: ثنا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ , قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ , عَنْ سِمَاكٍ , عَنْ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومَةَ قَالَ: وَقَعَ رَجُلَانِ عَلَى جَارِيَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ , فَعَلِقَتِ الْجَارِيَةُ , فَلَمْ يُدْرَ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ. فَأَتَيَا عُمَرَ يَخْتَصِمَانِ فِي الْوَلَدِ فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَقْضِي فِي هَذَا؟ . فَأَتَيَا عَلِيًّا , فَقَالَ: «هُوَ بَيْنَكُمَا , يَرِثُكُمَا وَتَرِثَانِهِ , وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا» فَهَذَا حُكْمٌ بِالْوَلَدِ لِمُدَّعِيَيْهِ جَمِيعًا , فَجَعَلَهُ ابْنَهُمَا , وَلَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ الْقَافَةِ , وَبِهَذَا نَأْخُذُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحِمَهُمُ اللهُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ»

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا وَهْبٌ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ، ح

وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، قَالُوا: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِثَمَنٍ , وَقَبَضَ الْعَبْدَ وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ , فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ , وَالْعَبْدُ قَائِمٌ فِي يَدِهِ بِعَيْنِهِ. أَنَّ بَائِعَهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِيَ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. ⦗١٦٥⦘ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: بَلْ بَائِعُ الْعَبْدِ , وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ , لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنِ الْعَبْدِ , وَخَرَجَ مِنْ ضَمَانِهِ , فَإِنَّمَا هُوَ فِي مُطَالَبَةِ غَرِيمٍ مِنْ غُرَمَاءِ الْمَطْلُوبِ , يُطَالِبُهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ , لَا وَثِيقَةٍ فِي يَدَيْهِ , فَهُوَ وَهْمٌ فِي جَمِيعِ مَالِهِمْ سَوَاءٌ. وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى فِي فَسَادِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ , وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا , أَنَّ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَأَصَابَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا مَالُهُ بِعَيْنِهِ , يَقَعُ عَلَى الْمَغْصُوبِ , وَالْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَذَلِكَ مَالُهُ بِعَيْنِهِ , فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَفِي ذَلِكَ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةً لِأَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى , لَوْ كَانَ فَأَصَابَ رَجُلٌ غَيْرَ مَالِهِ قَدْ كَانَ لَهُ , فَبَاعَهُ مِنَ الَّذِي وَجَدَهُ فِي يَدِهِ , وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ ثَمَنَهُ , فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَهَذَا الَّذِي يَكُونُ حُجَّةً لَهُمْ , لَوْ كَانَ لَفْظُ الْحَدِيثِ كَذَلِكَ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى مَا رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ عَلَى الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ , وَالْعَوَارِيِّ وَالرُّهُونِ أَمْوَالِ الطَّالِبِينَ فِي وَقْتِ الْمُطَالَبَةِ بِهَا , وَذَلِكَ كَمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ

فَإِنَّهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ أَوْ ضَاعَ لَهُ مَتَاعٌ وَوَجَدَهُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ , فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ , وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي وَصَفْتُمْ , إِذًا لَمَا كَانَ بِنَا إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ مِنْ حَاجَةٍ , لِأَنَّ هَذَا يَعْلَمُهُ الْعَامَّةُ , فَضْلًا عَنِ الْخَاصَّةِ فَالْكَلَامُ بِذَلِكَ فَضْلٌ , وَلَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَلَامُ بِالْفَضْلِ , وَلَا الْكَلَامُ بِمَا لَا فَائِدَةَ مِنْهُ. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَضْلٍ , بَلْ هُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ , وَفِيهِ فَائِدَةٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَفْلَسَ وَجَبَ أَنْ يُقْسِمَ جَمِيعَ مَا فِي يَدِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ , فَثَبَتَ مِلْكُ رَجُلٍ لِبَعْضِ مَا فِي يَدِهِ , أَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ قَدْ مَلَكَهُ وَغَرَّ فِيهِ , فَلَا يَجِبُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ إِذْ كَانَ مَغْرُورًا فَعَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ , عَلَّمَهُمْ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ , وَنَفَى أَنْ يَكُونَ الْمَغْرُورُ الَّذِي يُشْكِلُ حُكْمُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ الْغُرُورِ شَيْئًا , فَهَذَا وَجْهٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: وَيُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ , بِأَلْفَاظٍ غَيْرِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. فَذَكَرُوا

مَا حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أنا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالسِّلْعَةِ , يَبْتَاعُهَا الرَّجُلُ , فَيُفْلِسُ وَهِيَ عِنْدَهُ بِعَيْنِهَا , لَمْ يَقْضِ صَاحِبُهَا مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا , فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ⦗١٦٦⦘ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَنْ تُوُفِّيَ وَعِنْدَهُ سِلْعَةُ رَجُلٍ بِعَيْنِهَا , وَلَمْ يَقْبِضْ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا , فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ ابْتَاعَ مَتَاعًا , فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ , وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا , فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ , فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ , فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي , فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» قَالُوا: فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ , الْبَاعَةَ لَا غَيْرَهُمْ. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ , لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّمَا قَبِلْنَاهُ , وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا , لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا أَشْكَلَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّصِلِ. قِيلَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ لَمَّا اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا , فَرَوَاهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا آخِرًا , وَرَوَاهُ عَنْهُ , عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَوَّلًا إِنْ رَجَعُوا إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ , وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ , فَيَجْعَلُونَهُ هُوَ أَصْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ , وَيُسْقِطُونَ مَا خَالَفَهُ. وَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ , عَادَتِ الْحُجَّةُ الْأُولَى عَلَيْكُمْ , وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ , كَانَ لِخَصْمِكُمْ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ , عَنْ أَبِي بَكْرٍ , فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ حُكْمِ التَّفْلِيسِ وَالْمَوْتِ , هُوَ غَيْرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ , مُسْتَعْمَلًا مِنْ حَيْثُ تَأَوَّلَهُ , وَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي , حَدِيثًا مُنْقَطِعًا شَاذًّا , لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ , فَيَجِبُ تَرْكُ اسْتِعْمَالِهِ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا , هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ , فَإِنَّا رَأَيْنَا الرَّجُلَ , إِذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا , كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَنْقُدَهُ الثَّمَنَ. وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي , وَعَلَيْهِ دَيْنٌ , فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ. فَكَانَ الْبَائِعُ , مَتَى كَانَ مُحْبِسًا لِمَا بَاعَ , حَتَّى مَاتَ الْمُشْتَرِي , كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي. وَمَتَى دَفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي وَقَبَضَهُ مِنْهُ , ثُمَّ مَاتَ , فَهُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ , سَوَاءٌ. فَكَانَ الَّذِي يُوجِبُ لَهُ الِانْفِرَادَ بِثَمَنِهِ , دُونَ الْغُرَمَاءِ هُوَ بَقَاؤُهُ فِي يَدِهِ. فَلِمَا كَانَ مَا وَصَفْنَا كَذَلِكَ , كَانَ كَذَلِكَ , إِفْلَاسُ الْمُشْتَرِي , إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ , فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ الْمُشْتَرِي , فَهُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ , فَهَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ. وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنَّا رَأَيْنَاهُ , إِذَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي , وَقَدْ بَقِيَ لِلْبَائِعِ كُلُّ الثَّمَنِ , أَوْ نَقَدَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ , وَبَقِيَتْ لَهُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْعَبْدِ , حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ. فَكَانَ بِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ , أَوْلَى بِهِ إِذَا كَانَ لَهُ كُلُّ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضُ الثَّمَنِ , وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , فَجَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمًا وَاحِدًا. ⦗١٦٧⦘ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا قَبَضَ الْعَبْدَ وَنَقَدَ الْبَائِعُ مِنْ ثَمَنِهِ طَائِفَةً , ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي , أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكُونُ بِتِلْكَ الطَّائِفَةِ الْبَاقِيَةِ لَهُ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ , بَلْ هُوَ وَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا بَقِيَ لَهُ ثَمَنُهُ كُلُّهُ حَتَّى أَفْلَسَ , فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ , وَيَكُونُ هُوَ وَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. فَيَسْتَوِي حُكْمُهُ إِذَا بَقِيَ لَهُ كُلُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي , أَوْ بَعْضُ الثَّمَنِ حَتَّى أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي , كَمَا اسْتَوَى بَقَاؤُهُمَا جَمِيعًا لَهُ عَلَيْهِ , حَتَّى كَانَ الْمَوْتُ الَّذِي أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَثَبَتَ بِالنَّظَرِ , مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُوَقَدْ

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنِ الْمُغِيرَةِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ

وَحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ أَشْعَبَ , مَوْلَى آلِ حُمْرَانَ , عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ , وَاللهُ أَعْلَمُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ وَيَزِيدُ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ , عَنِ ابْنِ الْهَادِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ , غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى أَهْلِ الْحَضَرِ , وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ , فَقَالُوا: أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ , مِمَّنْ يُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَفِيهِ أَسْبَابُ الْعَدَالَةِ , مَا فِي أَهْلِ الْعَدَالَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ , فَشَهَادَتُهُ مَقْبُولَةٌ , وَهُوَ كَأَهْلِ الْحَضَرِ. وَمِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يُجِيبُ إِذَا دُعِيَ , فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَائِرِ ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ , قَالَ: ثنا الْوَهْبِيُّ قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ , عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمُّ سُنْبُلَةَ الْأَسْلَمِيَّةُ , وَمَعَهَا وَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ , تُهْدِيهِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَتْهُ عِنْدِي , وَمَعَهَا قَدَحٌ لَهَا. فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَرْحَبًا وَسَهْلًا , بِأُمِّ سُنْبُلَةَ» ، قَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي , أَهْدَيْتُ لَكَ وَطْبًا مِنْ لَبَنٍ. قَالَ: «بَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ , صُبِّي لِي فِي هَذَا الْقَدَحِ فَصَبَّتْ لَهُ فِي الْقَدَحِ فَلَمَّا أَخَذَهُ» , قُلْتُ: قَدْ قُلْتَ: «لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةً مِنْ أَعْرَابِيٍّ» . قَالَ: «أَعْرَابُ أَسْلَمَ يَا عَائِشَةُ , إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَعْرَابٍ وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ بَادِيَتِنَا , وَنَحْنُ أَهْلُ حَاضِرَتِهِمْ , إِذَا دَعَوْنَاهُمْ أَجَابُوا , وَإِذَا دَعَوْنَا أَجَبْنَاهُمْ» ثُمَّ شَرِبَ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ⦗١٦٨⦘

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَلَيْسُوا بِأَعْرَابٍ فَأَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُجِيبُ إِذَا دُعِيَ , فَهُوَ كَأَهْلِ الْحَضَرِ وَأَنَّ الْأَعْرَابَ الْمُتَقَوِّمِينَ , الَّذِينَ لَا تُقْبَلُ هَدَايَاهُمْ , بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ , وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُجِيبُونَ إِذَا دُعُوا فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ , لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ , وَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا , فِيمَا نَرَى , وَاللهُ أَعْلَمُكِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالْأَضَاحِيِّ