Navigation
Settings

Tune your reading and listening experience.

73 entries

كتاب الهبة والصدقة

Book 16

maani-al-athaar/16 · Sharh Ma'ani al-Athaar

Hadith search

Advanced Search

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ وَهِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ , كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاهِبَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَعَلَ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ كَالرُّجُوعِ فِي الْقَيْءِ وَكَانَ رُجُوعُ الرَّجُلِ فِي قَيْئِهِ حَرَامًا عَلَيْهِ كَانَ كَذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي هِبَتِهِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى حَالِهَا لَمْ تُسْتَهْلَكْ وَلَمْ يَزِدْ فِي بَدَنِهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْوَاهِبِ وَبَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُثِبْهُ أَيْ: لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا ثَوَابًا. فَإِنْ كَانَ أَثَابَهُ مِنْهَا ثَوَابًا وَقَبِلَ ذَلِكَ الثَّوَابَ مِنْهُ أَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ الْوَاهِبِ فَلَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْوَاهِبُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَكِنَّهَا امْرَأَةٌ وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا أَوْ زَوْجٌ وَهَبَ لِامْرَأَتِهِ فَهُمَا فِي ذَلِكَ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَنِ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ. فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الرَّجُلَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ فَيَكُونَ قَدْ جَعَلَ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِيمَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ مَا قَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى. ⦗٧٨⦘ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْكَلْبَ الْعَائِدَ فِي قَيْئِهِ وَالْكَلْبُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بِتَحْرِيمٍ وَلَا تَحْلِيلٍ فَيَكُونُ الْعَائِدُ فِي قَيْئِهِ عَائِدًا فِي قَذَرٍ كَالْقَذَرِ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْكَلْبُ فَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ مَنْعُ الْوَاهِبِ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ هَلْ نَجِدُ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّنَا عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَا هُوَ؟فَإِذَا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ

قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السُّوءِ الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: ثنا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ تَنْزِيهَ أُمَّتِهِ عَنْ أَمْثَالِ الْكِلَابِ لَا أَنَّهُ أَبْطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الرُّجُوعُ فِي هِبَاتِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْكَلَامُ أَيْضًا الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ ثنا عَوْفٌ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح

وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا رَوْحٌ قَالَ: ثنا عَوْفٌ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الَّذِي يَعُودُ فِي عَطَائِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ فَأَكَلَهُ» وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ فِي مَعْنًى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَا: ثنا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ ⦗٧٩⦘ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْمَرَهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» فَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى أَنْ يَبْتَاعَ مَالًا جَعَلَهُ صَدَقَةً

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يَقُولُ حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ هُوَ ضِدُّ الْغَلَاءِ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ أَبْصَرَ فَرَسًا تُبَاعُ فِي السُّوقِ وَكَانَ تَصَدَّقَ بِهِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْتَرِيهِ؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَشْتَرِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ أَيْ مِمَّا يُنْتِجُهُ مِنَ الْوَلَدِ» فَمَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يَبْتَاعَ مَا كَانَ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ وَجَعَلَهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ. فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِمُوجِبِ حُرْمَةِ ابْتِيَاعِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهَا وَلَكِنْ تَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ لَهُ. فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا لِمَا ذُكِرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَيْسَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَلَكِنَّهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ

وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ» فَقَالَ قَائِلٌ فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مِنَ الرَّجُلِ لِغَيْرِ وَلَدِهِ. قِيلَ لَهُ: مَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتَ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ ذَلِكَ الرُّجُوعَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَغْلِيظِهِ إِيَّاهُ لِكَرَاهِيَةِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ مَثَلُ السُّوءِ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِذِي مَرَّةٍ سَوِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَلَكِنَّهَا عَلَى مَعْنَى لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالزَّمَانَةِ. فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا تَحِلُّ لَهُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي قَدْ أَحَلَّهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِبَادِهِ. وَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنْ فَعَلَهَا مَثَلًا كَالْمَثَلِ الَّذِي جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَائِدِ فِي هِبَتِهِ. وَقَدْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ الْعَوْدُ فِيهَا بِالرُّجُوعِ وَالِابْتِيَاعِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ. ⦗٨٠⦘ فَذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَهَبَ لِابْنِهِ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِ إِلَى ذَلِكَ وَفَقْرِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّ مَا يَجِبُ لِلْوَلَدِ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُ يَكُونُ مَثَلُهُ فِيهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ الْمُتَرَاجِعِ فِي قَيْئِهِ. وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ أَوْجَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ لِفَقْرِهِ فَلَمْ يُضَيِّقْ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَعْطَيْتُ أُمِّي حَدِيقَةً وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَجَبَتْ صَدَقَتُكَ وَرَجَعَتْ إِلَيْكَ حَدِيقَتُكَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَفَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَبَاحَ لِلْمُتَصَدِّقِ صَدَقَتَهُ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَمَنَعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنِ ابْتِيَاعِ صَدَقَتِهِ. فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ إِبَاحَةُ الصَّدَقَةِ الرَّاجِعَةِ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ بِفِعْلِ اللهِ وَكَرَاهَةُ الصَّدَقَةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ. فَكَذَلِكَ وُجُوبُ النَّفَقَةِ لِلْأَبِ عَنْ مَالِ الِابْنِ لِحَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ وَجَبَتْ لَهُ بِإِيجَابِ اللهِ تَعَالَى إِيَّاهَا لَهُ. فَأَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ارْتِجَاعَ هِبَتِهِ وَإِنْفَاقَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ لَا كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ بِالِابْتِيَاعِ وَالِارْتِجَاعِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوَالِدَ الْوَاهِبَ دُونَ سَائِرِ الْوَاهِبِينَ. أَفَيَكُونُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِيمَا وَهَبَ لِأَبِيهِ خِلَافَ حُكْمِ الْوَالِدِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ؟ قِيلَ لَهُ: بَلْ حُكْمُهُمَا فِي هَذَا سَوَاءٌ فَذِكْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا يُجْزِئُ مِنْ ذِكْرِهِ إِيَّاهُمَا وَمِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ حُكْمُهُ فِي هَذَا مِثْلُ حُكْمِهِمَا. وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء: ٢٣] . فَحَرَّمَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا بِالْأَنْسَابِ. ثُمَّ قَالَ {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعَةِ غَيْرَ هَاتَيْنِ. ⦗٨١⦘ فَكَانَ ذِكْرُهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ سَائِرَ مَنْ حُرِّمَ بِالنَّسَبِ فِي حُكْمِ الرَّضَاعِ سَوَاءٌ وَأَغْنَاهُ ذِكْرُ هَاتَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ بِالرَّضَاعِ عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَاهُمَا فِي ذَلِكَ إِذْ كَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ بِالْأَنْسَابِ فَجَعَلَ حُكْمَهُنَّ حُكْمًا وَاحِدًا. فَدَلَّ تَحْرِيمُهُ بَعْضَهُنَّ أَيْضًا بِالرَّضَاعِ أَنَّ حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ وَاحِدٌ. فَكَذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ فَعَمَّ بِذَلِكَ النَّاسَ جَمِيعًا. ثُمَّ قَالَ إِلَّا الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ سِوَى الْوَالِدِ مِنَ الْوَاهِبِينَ فِي رُجُوعِ الْهِبَاتِ إِلَيْهِمْ يُرِدِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهَا كَذَلِكَ وَأَغْنَاهُ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ عَنْ ذِكْرِ سَائِرِهِمْ. فَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ بِنَقْضِهِ إِيَّاهَا حَتَّى يَأْخُذَهَا مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَيَرُدَّهَا إِلَى مِلْكِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي أَخْرَجَهَا مِنْهُ بِالْهِبَةِ. فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا

فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ثنا حَنْظَلَةُ عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يُثَابَ مِنْهَا بِمَا يَرْضَى

وَإِذَا يُونُسُ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفٍ الْمُرِّيِّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ , أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الثَّوَابُ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهَا فَهَذَا عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فَجَعَلَ الصَّدَقَاتِ لَا يَرْجِعُ فِيهَا وَجَعَلَ الْهِبَاتِ عَلَى ضَرْبَيْنِ. فَضَرْبٍ مِنْهَا صِلَةُ الْأَرْحَامِ فَرَدَّ ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الصَّدَقَاتِ وَمَنَعَ الْوَاهِبَ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَضَرْبٍ مِنْهَا خِلَافُ ذَلِكَ فَجَعَلَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهُ

حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْرَقُ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِذِي رَحِمٍ جَازَتْ وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً ⦗٨٢⦘ لِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ الْوَاهِبُ أَحَقُّ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا فَهَذَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ جَعَلَ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا. فَذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى الْوَاهِبِ الَّذِي جَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا حَتَّى لَا يَتَضَادَّ قَوْلُهُمَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي ذَلِكَ. وَقَدْ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الْقَاسِمِ فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْ سُلَيْمَانَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا

حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فَأَتَاهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنِّي وَهَبْتُ لِهَذَا بَازِيًا عَلَى أَنْ يُثِيبَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ. فَقَالَ الْآخَرُ: وَهَبَ لِي وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ فَضَالَةُ: ارْدُدْ إِلَيْهِ هِبَتَهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ النِّسَاءُ وَسُقَّاطُ الرِّجَالِ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ فِي بَازٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا: وَهَبْتُ لَهُ بَازِيًا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُثِيبَنِي مِنْهُ. فَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ قَدْ وَهَبَ لِي بَازِيًا مَا سَأَلْتُهُ وَمَا تَعَرَّضْتُ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ فَضَالَةُ ارْدُدْ إِلَيْهِ هِبَتَهُ فَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْهِبَاتِ النِّسَاءُ وَشِرَارُ الْأَقْوَامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًامَا قَدْ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ الْمَوَاهِبُ ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ وَهَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَوْهَبَ فَهِيَ كَسَبِيلِ الصَّدَقَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي صَدَقَتِهِ. ⦗٨٣⦘ وَرَجُلٌ اسْتُوهِبَ فَوَهَبَ فَلَهُ الثَّوَابُ فَإِنْ قَبِلَ عَلَى مَوْهِبَتِهِ ثَوَابًا فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ. وَرَجُلٌ وَهَبَ وَاشْتَرَطَ الثَّوَابَ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَهَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ جَعَلَ مَا كَانَ مِنَ الْهِبَاتِ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الصَّدَقَاتِ فِي حُكْمِ الصَّدَقَاتِ. وَمَنَعَ الْوَاهِبَ مِنَ الرُّجُوعِ فِي ذَلِكَ كَمَا يُمْنَعُ الْمُتَصَدِّقُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي صَدَقَتِهِ. وَجَعَلَ مَا كَانَ مِنْهَا بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ ثَوَابٌ مِمَّا يَرْجِعُ فِيهِ مَا لَمْ يُثَبِ الْوَاهِبُ عَلَيْهِ. وَجَعَلَ مَا اشْتُرِطَ فِيهِ الْعِوَضُ فِي حُكْمِ الْمَبِيعِ فَجَعَلَ الْعِوَضَ لِوَاهِبِهِ وَاجِبًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ فَهَذَا حُكْمُ الْهِبَاتِ عِنْدَنَا، فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا مِنِ انْقِطَاعِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ لِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ بِاسْتِهْلَاكِهِ الْهِبَةَ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ

حَدَّثَنَا صَالِحٌ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُمَرَ، مِثْلَهُ يَعْنِي: مِثْلَ حَدِيثِهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ وَزَادَ وَيَسْتَهْلِكُهَا أَوْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا. فَجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتِهْلَاكَ الْهِبَةِ يَمْنَعُ وَاهِبَهَا مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَجَعَلَ مَوْتَ أَحَدِهِمَا يَقْطَعُ مَا لِلْوَاهِبِ فِيهَا مِنَ الرُّجُوعِ أَيْضًا فَكَذَلِكَ نَقُولُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ فِي الْهِبَةِ نَظِيرُ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يُحَدِّثُ: أَنَّ شُرَيْحًا قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي قَرَابَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ صِلَةٍ فَعَطِيَّتُهُ جَائِزَةٌ وَالْجَانِبُ الْمُسْتَقْرَبُ يُثَبْ مِنْ هِبَتِهِ أَوْ يُرَدُّ عَلَيْهِ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ شُرَيْحٍ، مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا هِبَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ

فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ امْرَأَةً وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا هِبَةً ثُمَّ رَجَعَتْ فِيهَا فَاخْتَصَمَا إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ لِلزَّوْجِ شَاهِدَاكَ أَنَّهُمَا رَأَيَاهَا وَهَبَتْ لَكَ مِنْ غَيْرِ كُرْهٍ وَلَا هَوَانٍ وَإِلَّا فَيَمِينُهَا لَقَدْ وَهَبَتْ لَكَ عَنْ كُرْهٍ وَهَوَانٍ فَهَذَا شُرَيْحٌ قَدْ سَأَلَ الزَّوْجَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا وَهَبَتْ لَهُ لَا عَنْ كُرْهٍ بَعْدَ ارْتِجَاعِهَا فِي الْهِبَةِ. ⦗٨٤⦘ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لَوْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ لَرَدَّ الْهِبَةَ إِلَيْهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهَا الرُّجُوعُ فِيهَا. وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِهِ أَنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ فِي هَذَا كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَهَكَذَا نَقُولُ. وَأَمَّا هِبَةُ الزَّوْجِ لِامْرَأَتِهِ

فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا وَهَبَتِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا أَوْ وَهَبَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ إِذَا وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَجُعِلَ الزَّوْجَانِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَمَنَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الرُّجُوعِ فِيمَا وَهَبَ لِصَاحِبِهِ فَهَكَذَا نَقُولُ. وَقَدْ وَصَفْنَا فِي هَذَا مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِي الْهِبَاتِ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ إِذْ لَمْ نَعْلَمْ عَنْ أَحَدٍ مِثْلِ مَنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ خِلَافًا لَهَا. فَتَرَكْنَا النَّظَرَ مِنْ أَجْلِهَا وَقَلَّدْنَاهَا. وَقَدْ كَانَ النَّظَرُ لَوْ خَلَّيْنَا وَإِيَّاهُ خِلَافَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهَا بِهِبَةِ إِيَّاهَا وَصَارَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ دُونَهُ فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ مَا قَدْ مَلَكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِرِضَاءِ مَالِكِهِ. وَلَكِنِ اتِّبَاعُ الْآثَارِ وَتَقْلِيدُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى فَلِذَلِكَ قَلَّدْنَاهَا وَاقْتَدَيْنَاهَا. وَجَمِيعُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ قَالَ: ثنا الزُّهْرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: نَحَلَنِي أَبِي غُلَامًا فَأَمَرَتْنِي أُمِّي أَنْ أَذْهَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلُّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَهُ» ، فَقَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْدُدْهُ»

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي. ⦗٨٥⦘ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا» ، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَارْجِعْهُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَحَلَ بَعْضَ بَنِيهِ دُونَ بَعْضٍ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالُوا: قَدْ كَانَ النُّعْمَانُ فِي وَقْتِ مَا نَحَلَهُ أَبُوهُ صَغِيرًا فَكَانَ أَبُوهُ قَابِضًا لَهُ لِصِغَرِهِ عَنِ الْقَبْضِ لِنَفْسِهِ. فَلَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْدُدْهُ بَعْدَمَا كَانَ فِي حُكْمِ مَا قَبَضَ دَلَّ هَذَا أَنَّ النُّحْلَى مِنَ الْوَالِدِ لِبَعْضِ وَلَدِهِ دُونَ بَعْضٍ لَا يَمْلِكُهُ الْمَنْحُولُ وَلَا يَنْعَقِدُ لَهُ عَلَيْهِ هِبَةٌ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا فِي الْبِرِّ وَلَا يُفَضِّلُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَيُوقِعُ ذَلِكَ لَهُ الْوَحْشَةَ فِي قُلُوبِ الْمَفْضُولِينَ مِنْهُمْ. فَإِنْ نَحَلَ بَعْضَهُمْ شَيْئًا دُونَ بَعْضٍ وَقَبَضَهُ الْمَنْحُولُ لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ كَبِيرًا أَوْ قَبَضَهُ لَهُ أَبُوهُ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ صَغِيرًا بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ وَالْإِشْهَادِ بِهِ فَهُوَ جَائِزٌ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ النُّعْمَانِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ صَغِيرًا وَلَعَلَّهُ وَقَدْ كَانَ كَبِيرًا وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ

فَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا الْخَصِيبُ بْنُ نَاصِحٍ قَالَ: ثنا وُهَيْبٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحَلَنِي نُحْلَى لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا» فَقَالَ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ كُلُّهُمْ سَوَاءً» قَالَ: بَلَى قَالَ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» فَكَانَ وَالَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَشِيرٍ فِيمَا كَانَ نَحَلَهُ النُّعْمَانُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي. فَهَذَا دَلِيلٌ أَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ. فَهَذَا بِخِلَافِ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ النُّعْمَانُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَتَوَقَّى الشَّهَادَةَ عَلَى مَالِهِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ كَانَتْ. وَكَذَلِكَ لِمَنْ بَعْدَهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِنَّمَا هِيَ أَمْرٌ يَتَضَمَّنُهُ الشَّاهِدُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ فَلَهُ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ ذَلِكَ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ غَيْرُ هَذَا أَيْضًا فَيَكُونُ قَوْلُهُ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي أَيْ: إِنِّي أَنَا الْإِمَامُ وَالْإِمَامُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنَّمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْكُمَ. ⦗٨٦⦘ وَفِي قَوْلِهِ أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ

وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ثنا آدَمُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ عَلَى مِنْبَرِنَا هَذَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَأَنَّ الْمَقْصُودَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ لِيَسْتَوُوا جَمِيعًا فِي الْبِرِّ. وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ فَسَادِ الْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَى التَّفْضِيلِ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ مِنَ الْأَشْهَادِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ عَطِيَّةً وَإِنِّي أُشْهِدُكَ. قَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ لَا، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِرَدِّ الشَّيْءِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّسْوِيَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، قَالَ: ثنا مُرَجَّى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ مِنْ مَالِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً» . قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَلَا إِذًا» فَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ حَدِيثِ دَاوُدَ هَذَا فِيمَا رَوَى عَنْهُ مُرَجَّى هَاهُنَا وَفِيمَا رَوَى عَنْهُ وُهَيْبٌ فِيمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنِ النُّعْمَانِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الضُّحَى عَنِ النُّعْمَانِ أَيْضًا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ فِطْرٍ ح

وَحَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا فِطْرٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الضُّحَى، قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: ذَهَبَ بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ. فَقَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُخْبِرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَ بِرَدِّهِ. وَإِنَّمَا قَالَ أَلَا سَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ النُّعْمَانِ هَذَا خِلَافُ كُلِّ مَا رَوَيْنَا عَنِ النُّعْمَانِ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ قَالَ: ثنا النُّفَيْلُ قَالَ: ثنا زُهَيْرٌ قَالَ: ثنا أَبُو زُبَيْرٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ بِنْتَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي وَقَالَتْ أَشْهِدْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: «أَلَهُ إِخْوَةٌ» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَكُلُّهُمْ أَعْطَيْتَهُ» ، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ» فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ أَمْرُهُ لِبَشِيرٍ بِالرَّدِّ قَبْلَ إِنْفَاذِ بَشِيرٍ الصَّدَقَةَ فَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا خِلَافُ جَمِيعِ مَا رُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ لِأَنَّ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ نَحَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا كَذَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا إِخْبَارُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُؤَالِ امْرَأَتِهِ إِيَّاهُ فَكَانَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ بِمَا كَلَّمَهُ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْمَشُورَةِ وَعَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ إِنْ آثَرَ أَنْ يَفْعَلَهُ. وَقَدْ رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُوَافِقًا لِهَذَا الْمَعْنَى

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: نَحَلَنِي أَبِي غُلَامًا ثُمَّ مَشَى بِي حَتَّى أَدْخَلَنِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي غُلَامًا فَإِنْ أَذِنْتَ أَنْ أُجِيزَهُ لَهُ أَجَزْتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فَدَلَّ مَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ النُّحْلَى كَمُلَتْ فِيهِ مِنْ حِينِ نَحَلَهُ إِيَّاهُ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَدِّهِ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَسَمَ شَيْئًا بَيْنَ أَهْلِهِ سَوَّى بَيْنَهُمْ جَمِيعًا فَأَعْطَى الْمَمْلُوكَ مِنْهُمْ كَمَا يُعْطَى الْحُرُّ

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ، يُونُسُ قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطِيبَةِ خَرَزٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. قَالَتْ: عَائِشَةُ وَكَذَلِكَ كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَكَانَ هَذَا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ يَعُمُّ بِعَطَايَاهُ جَمِيعَ أَهْلِهِ حُرِّهِمْ وَعَبْدِهِمْ لَيْسَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ وَلَكِنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ. فَكَذَلِكَ كَانَتْ مَشُورَتُهُ فِي الْوَلَدِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ لَيْسَ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَا عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ إِنْ فَعَلَ لَمْ يَثْبُتْ. وَهَذَا ⦗٨٨⦘ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ بَعْضَ أَوْلَادِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَايَا

فَحَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ نَحَلَهَا جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى مِنْكِ وَلَا أَعَزَّ النَّاسِ عَلَيَّ فَقْرًا مِنْ بَعْدِي مِنْكِ وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَأَحْرَزْتِيهِ كَانَ لَكِ وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا هُمَا أَخُوكِ وَأُخْتَاكِ فَاقْسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ يَا أَبَتِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى قَالَ: ذُو بَطْنٍ بِنْتُ خَارِجَةَ أَرَاهَا جَارِيَةً

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: ثنا مَسْرُوقٌ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ قَدْ أَعْطَى عَائِشَةَ نُحْلَى فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لَهَا اجْعَلِيهِ فِي الْمِيرَاثِ وَذَكَرُوا الْقَبْضَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَضَّلَ بَنِي أُمِّ كُلْثُومٍ بِنُحْلٍ قَسَمَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ فَهَذَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ أَعْطَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا دُونَ سَائِرِ وَلَدِهِ وَرَأَى ذَلِكَ جَائِزًا وَرَأَتْهُ هِيَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ. وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدْ فَضَّلَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ أَيْضًا فِيمَا أَعْطَاهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ. ⦗٨٩⦘ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ فِعْلَ هَؤُلَاءِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَكِنْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَاسْتِحْبَابِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَهْلِهِ فِي الْعَطِيَّةِ. وَتَرْكُ التَّفْضِيلِ لِحُرِّهِمْ عَلَى مَمْلُوكِهِمْ لَيْسَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَلَكِنْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِذَلِكَ وَغَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ جَائِزٌ كَجَوَازِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عَطِيَّةِ الْوَلَدِ الَّتِي يُتْبَعُ فِيهَا أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَشِيرٍ كَيْفَ هِيَ؟ . فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: يُسَوِّي بَيْنَ الْأُنْثَى فِيهَا وَالذَّكَرِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: بَلْ يَجْعَلُهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمَوَارِيثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سَوُّوا بَيْنَهُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا لَكُمْ فِي الْبِرِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْإِنَاثِ وَالذُّكُورِ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنَ الْبِنْتِ شَيْءٌ مِنَ الْبِرِّ إِلَّا الَّذِي يُرَادُ مِنَ الِابْنِ مِثْلُهُ. فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ مِنَ الْأَبِ لِوَلَدِهِ مَا يُرِيدُ مِنْ وَلَدِهِ لَهُ وَكَانَ مَا يُرِيدُ مِنَ الْأُنْثَى مِنَ الْبِرِّ مِثْلَ مَا يُرِيدُ مِنَ الذَّكَرِ كَانَ مَا أَرَادَ مِنْهُ لَهُمْ مِنَ الْعَطِيَّةِ لِلْأُنْثَى مِثْلَ مَا أَرَادَ لِلذَّكَرِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي الضُّحَى فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَهُمْ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَلَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ وَإِلَّا وَحُكْمُ الْأُنْثَى فِيهِ كَحُكْمِ الذَّكَرِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا ذَكَرَ التَّسْوِيَةَ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ ذُكُورٌ كُلُّهُمْ. فَلَمَّا أَمْسَكَ عَنِ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ ثَبَتَ اسْتِوَاءُ حُكْمِهِمْ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ فَهَذَا أَحْسَنُ عِنْدَنَا مِمَّا قَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ ثُمَّ جَاءَتْ بِنْتٌ لَهُ فَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ قَالَ: «فَهَلَّا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا» أَفَلَا يَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَرَادَ مِنْهُ التَّعْدِيلَ بَيْنَ الِابْنَةِ وَالِابْنِ وَأَنْ لَا يُفَضِّلَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَطِيَّةِ أَيْضًا

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ قَالَ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَةِ الْعُمْرَى وَجَعَلُوهَا رَاجِعَةً إِلَى الْمُعْمِرِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ لَهُ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا: إِنَّمَا وَقَعَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي قَدْ أَبَاحَ الْكِتَابُ اشْتِرَاطَهَا وَجَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. فَأَمَّا مَا نَهَى عَنْهُ الْكِتَابُ أَوْ نَهَتْ عَنْهُ السُّنَّةُ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي ذَلِكَ. أَلَا يَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. وَمَا فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ مَا كَانَ مَنْصُوصًا فِيهِ أَوْ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَجَبَ قَبُولُهُ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ يَقُولُ فِيهِ {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧] . وَلَيْسَ كُلُّ شَرْطٍ يَشْرِطُهُ الْمُسْلِمُونَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَجَازَ الشَّرْطَانِ فِي الْبَيْعِ اللَّذَانِ قَدْ نَهَى عَنْهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مُعَارِضًا لِذَلِكَ وَلِقَوْلِهِ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. فَلَمَّا لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا جَعَلَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الشُّرُوطِ وَقَدْ وَقَفْنَا عَلَيْهَا وَعَرَفْنَاهَا فَأَعْلَمَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ أَنَّهُمْ عِنْدَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الَّتِي قَدْ أَجَازَ لَهُمُ اشْتِرَاطَهَا حَتَّى لَا يَجِبَ لِمَنْ هِيَ لَهُمْ عَلَيْهِ نَقْضُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الصَّائِغُ قَالَ: ثنا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» فَدَلَّ هَذَا أَنَّ الشُّرُوطَ الَّتِي الْمُسْلِمُونَ عِنْدَهَا هِيَ بِخِلَافِ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْمُسْتَثْنَاةِ. وَكَانَتِ الشُّرُوطُ فِي الْعُمْرَى قَدْ وَقَّفَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بُطْلَانِهَا فِي آثَارٍ قَدْ جَاءَتْ عَنْهُ مَجِيئًا مُتَوَاتِرًافَمِنْهَا مَا قَدْ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَمِيرًا كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ طَارِقٌ قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ عَنْ قَوْلِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

أَخْبَرَنَا يُونُسُ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنْ حَجَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالْعُمْرَى لِلْوَارِثِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْعُمْرَى لِلْوَارِثِ فَقَطَعَ بِذَلِكَ شَرْطَ الْعُمْرَى. فَقَالَ الْأَوَّلُونَ: فَلَمْ يُبَيِّنْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَلِكَ الْوَارِثَ وَارِثَ مَنْ هُوَ مَعَهُ؟ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ وَارِثَ الْمُعْمِرِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا مُحَالٌ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ الذِّكْرُ عَلَى شَيْءٍ قَدْ جُعِلَ لِلْمُعْمَرِ حَيَاتَهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى الْمُعْمِرِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ أَيْ: جَعَلَ لِوَارِثِ الْمُعْمَرِ مَا قَدْ كَانَ اشْتَرَطَ فِيهِ الْمُعْمِرُ أَنْ لَا يَكُونَ مِيرَاثًاوَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ

أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَحْرِ بْنِ مَطَرٍ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا حَيَاتَهُ فَهُوَ لَهُ وَلِوَارِثِهِ» فَدَلَّ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَلَى الْوَارِثِ الْمَحْكُومِ بِهَا لَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَنَّهُ وَارِثُ الْمُعْمَرِ

وَقَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّ حُجْرَ بْنَ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ»

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ الْمَدَرِيِّ، عَنْ حُجْرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبِيلُ الْعُمْرَى سَبِيلُ الْمِيرَاثِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَهَذَا أَيْضًا مَعْنَاهُ مِثْلُ مَا قَبْلَهُ

وَقَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» فَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: أَهْلُهَا هُمُ الَّذِينَ أَعْمَرُوهَا. فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ

أَنَّ فَهْدًا حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ يَرِثُهَا مِنْ عَقِبِهِ مَنْ يَرِثُهُ» ⦗٩٢⦘ فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَهْلَهَا الَّذِينَ جَازَتْ لَهُمْ هُمُ الْمُعْمَرُونَ لَا الْمُعْمِرُونَ

وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ»

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ قَالَ: ثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: ثنا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ يَحْيَى فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا تَعْمُرُوهَا فَمَنْ أَعْمَرَ أَحَدًا شَيْئًا فَهُوَ لَهُ»

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لَا عُمْرَى فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ» فَقَالَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى: فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الْعُمْرَى لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ. فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ الْعُمْرَى. فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْهَا وَهِيَ تَجْرِي كَمَا عُقِدَتْ وَلَكِنَّهُ نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا تَجْرِي عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. قَالَ فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَأَرْسَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ فَهُوَ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَهُ كَسَائِرِ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ. فَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَهَا جَائِزَةً أَيْ جَائِزَةً لِلْمُعْمَرِ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا. وَمِمَّا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَعَلَهَا جَائِزَةً مَا

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانَ قَالَ: ثنا هَمَّامٌ قَالَ: ثنا قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ» وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًاأَنَّ ابْنَ أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ بْنَ دَاوُدَ قَدْ حَدَّثَانَا قَالَا: ثنا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ قَالَ: ثنا هَمَّامٌ قَالَ: ثنا قَتَادَةُ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ مَا تَقُولُ فِي الْعُمْرَى؟ . فَقُلْتُ لَهُ:

حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ»قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّهَا لَا تَكُونُ عُمْرَى حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ. ⦗٩٣⦘ فَقَالَ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ:

حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ» فَهَذَا عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ جَمِيعًا قَدْ جَعَلَاهَا جَائِزَةً لِلْمُعْمَرِ مَوْرُوثَةً عَنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا الزُّهْرِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ لَا يَكُونُ عُمْرَى يَكُونُ هَذَا حُكْمَهَا حَتَّى تُجْعَلَ لِلْمُعْمَرِ وَلِعَقِبِهِ فَتَكُونَ كَمَالَهُ وَتَكُونَ مَوْرُوثَةً عَنْهُ كَمَا يُورَثُ سَائِرُ أَمْوَالِهِ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ يَرِثُهَا عَنْهُ فِيهِمْ خِلَافَ عَقِبِهِ عَلَى مَا حَدَّثَهُ أَبُو سَلَمَةَ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا

أَنَّ يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لِلْوَارِثِ إِذَا مَاتَ»

حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: ثنا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: ثنا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ»

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى حَيَاتِهِ فَهِيَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ»

حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَحَلَ رَجُلٌ مِنَّا أُمَّهُ نُحْلَى لَهُ حَيَاتَهَا فَلَمَّا مَاتَتْ فَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِنُحْلِي فَقَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا مِيرَاثٌ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (حُمَيْدٌ) هَذَا رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَقَدْ كَشَفَتْ لَنَا هَذِهِ الْآثَارُ مُرَادَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَنَّهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَقَدْ رُوِيَتْ فِي الْعُمْرَى أَيْضًا آثَارٌ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِفَمِنْهَا مَا قَدْ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، قَالَ: ثنا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ح

وَحَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: ثنا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ⦗٩٤⦘ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَقَدْ قَطَعَ قَوْلُهُ حَقَّهُ فِيهَا وَهِيَ لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَلِعَقِبِهِ»

حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: ثنا أَسَدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ بَتَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْطِي فِيهَا شَرْطٌ وَلَا ثُنْيَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَهِيَ لِلَّذِي عَمَرَهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْطِي بِشَرْطٍ وَلَا ثُنْيَا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ. فَقَالَ الَّذِينَ أَجَازُوا الشَّرْطَ فِي الْعُمْرَى: بِهَذَا نَقُولُ إِذَا وَقَعَتِ الْعُمْرَى عَلَى هَذَا لَمْ تَرْجِعْ إِلَى الْمُعْطِي أَبَدًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذِكْرُ الْعَقِبِ فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُعْطِي بَعْدَ زَوَالِ الْمُعْمَرِ. قَالُوا: وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا رَوَى عَطَاءٌ وَأَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ لِأَنَّ أَبَا سَلَمَةَ زَادَ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُ وَلِعَقِبِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِدُونِهِمَا وَالزِّيَادَةُ أَوْلَى. فَكَانَ مِنْ حُجَّتِنَا لِلْآخَرِينَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُمْرَى حَدِيثٌ غَيْرُ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا لَكَانَ فِيهِ أَكْثَرُ الْحُجَّةِ لِلَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعُمْرَى لَا تَرْجِعُ إِلَى الْمُعْمِرِ أَبَدًا وَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَى لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ فَيَنْفُذُ لِلْمُعْمَرِ فِيهَا الشَّرْطُ عَلَى مَا شَرَطَهُ لَا يَبْطُلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَمَا يَنْفُذُ الشُّرُوطُ مِنَ الْمُوقِفِ فِيمَا وَقَفَ أَوْ تَكُونُ خَارِجَةً مِنَ الْمُعْمِرِ دَاخِلَةً فِي مِلْكِ الْمُعْمَرِ فَيَصِيرُ بِذَلِكَ فِي سَائِرِ مَالِهِ وَيَبْطُلُ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ فِيهَا. فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَإِذَا الْعُمْرَى إِذَا أُوقِعَتْ عَلَى أَنَّهَا لِلْمُعْمَرِ وَلِعَقِبِهِ فَمَاتَ وَلَهُ عَقِبٌ وَزَوْجَةٌ أَوْ أَوْصَى بِوَصَايَا أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنَّ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ تَنْفُذُ فِيهَا كَمَا تَنْفُذُ فِي مَالِهِ وَلَا يَمْنَعُهَا الشَّرْطُ الَّذِي كَانَ مِنَ الْمُعْمِرِ فِي جَعْلِهِ إِيَّاهَا لَهُ وَلِعَقِبِهِ وَزَوْجَتُهُ لَيْسَتْ مِنْ عَقِبِهِ وَلَا غُرَمَاؤُهُ وَلَا أَهْلُ وَصَايَاهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْمُعْمَرُ وَلَا عَقِبَ لَهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَى الْمُعْمِرِ. فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْنَا كَذَلِكَ كَانَتْ كَذَلِكَ أَبَدًا يَجُوزُ عَلَى مَا جَعَلَهَا عَلَيْهِ الْمُعْمِرُ وَيَبْطُلُ شَرْطُهُ الَّذِي اشْتَرَطَ فِيهَا وَلَا يَنْفُذُ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَيَخْرُجُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ فَيَكُونُ شُرُوطُهَا لَيْسَتْ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي عَنَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي صَحَّحْنَاهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِثْلُ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ وَهَبَ لَهُ رَجُلٌ نَاقَةً حَيَاتَهُ فَنَتَجَتْ، أَيْ وَلَدَتْ، فَقَالَ: هِيَ لَهُ وَأَوْلَادُهَا فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: هِيَ لَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا وَاللهُ أَعْلَمُ

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ سُفْيَانَ الْجَحْدَرِيُّ قَالَا: ثنا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْمِرُهُ فَقَالَ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ» قَالَ أَبُو عَاصِمٍ وَأَرَاهُ قَالَ: «لَا تُورَثُ» . قَالَ: فتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّعِيفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ، اسْتَشَارَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ بِثَمْغٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقْ بِهِ تَقْسِمُ ثَمَرَهُ وَتَحْبِسُ أَصْلَهُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَوْقَفَ دَارِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَأَنَّهَا قَدْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا سَبِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَيْعِهَا وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآثَارِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ رَحِمَهُ اللهُ عَلَيْهِمَا فَقَالُوا: هَذَا كُلُّهُ مِيرَاثٌ لَا يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الَّذِي أَوْقَفَهُ بِهَذَا السَّبَبِ. وَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا شَاوَرَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَالَ لَهُ حَبِّسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلِ الثَّمَرَةَ. فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ يَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلْكِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ مِلْكِهِ ⦗٩٦⦘ وَلَكِنَّهَا تَكُونُ جَارِيَةً عَلَى مَا أَجْرَاهَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَرَكَهَا وَيَكُونُ لَهُ فَسْخُ ذَلِكَ مَتَى شَاءَ. كَرَجُلٍ جَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَرَةِ نَخْلِهِ مَا عَاشَ فَيُقَالُ لَهُ: أَنْفِذْ ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ إِنْ شَاءَ وَإِنْ أَبَى. وَلَكِنْ إِنْ أَنْفَذَ ذَلِكَ فَحَسَنٌ وَإِنْ مَنَعَهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ إِنْ أَنَفَذُوا ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُمْ أَجْرَاهُ عَلَيْهِ فَحَسَنٌ وَإِنْ مَنَعُوهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ. وَلَيْسَ فِي بَقَاءِ حَبْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى غَايَتِنَا هَذِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهِ نَقْضُهُ. وَإِنَّمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ نَقْضُهُ لَوْ كَانُوا خَاصَمُوا فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ. وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ فِيهِ الْعُمْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْقَافَ لَا تُبَاعُ. وَلَكِنْ إِنَّمَا جَاءَنَا تَرْكُهُمْ لِوَقْفِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَجْرِي عَلَى مَا كَانَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَجْرَاهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ عَرَضَ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ نَقْضُهُ

حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا أَخْبَرَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ صَدَقَتِي لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَحْوِ هَذَا لَرَدَدْتُهَا فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ هَذَا دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْإِيقَافِ لِلْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا وَأَنَّهُ إِنَّمَا مَنَعَهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ وَفَارَقَهُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ فَكَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا كَرِهَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّوْمِ الَّذِي كَانَ فَارَقَهُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَصُومَ. ثُمَّ هَذَا شُرَيْحٌ وَهُوَ قَاضِي عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًامَا قَدْ

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَأَلْتُ شُرَيْحًا عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ دَارِهِ حَبْسًا عَلَى الْآخَرِ فَالْآخَرُ مِنْ وَلَدِهِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَقْضِي وَلَسْتُ أُفْتِي قَالَ: فَنَاشَدْتُهُ فَقَالَ: لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ وَهَذَا لَا يَسَعُ الْقُضَاةَ جَهْلُهُ وَلَا يَسَعُ الْأَئِمَّةَ تَقْلِيدُ مَنْ يَجْهَلُ مِثْلَهُ ثُمَّ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ تَابِعِيهِمْ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَيْضًامَا قَدْ

حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُؤَذِّنُ قَالَ: ثنا أَسَدٌ قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عِيسَى عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ⦗٩٧⦘ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ وَأُنْزِلَ فِيهَا الْفَرَائِضُ نَهَى عَنِ الْحَبْسِ

حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَا: ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَارُودِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، قَالَا: قَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ رَوْحٌ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَقَدْ حَدَّثَنِيهِ الدِّمَشْقِيُّ يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ. فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْأَحْبَاسَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ وَأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ بِخِلَافِ مَا صَارَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ. وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَبَا يُوسُفَ وَزُفَرَ وَمُحَمَّدًا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَجَمِيعَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ وَالْمُوَافِقِينَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَقَفَ دَارِهِ فِي مَرَضِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِهِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مَوْرُوثَةٍ عَنْهُ. فَاعْتَبَرْنَا ذَلِكَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؟ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ صَدَقَةً فَلَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أَنَّهُ مِيرَاثٌ وَسَوَاءٌ جَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي صِحَّتِهِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ وَصِيَّةً بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَمَا يَنْفُذُ الْوَصَايَا. فَأَمَّا إِذَا جَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ وَلَمْ يُنْفِذْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ فَهُوَ كَمَا جَعَلَهُ فِي صِحَّتِهِ وَكَانَ جَمِيعُ مَالِهِ يَفْعَلُهُ فِي صِحَّتِهِ فَيَنْفُذُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِلْكٌ مِثْلُ الْعَتَاقِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ هُوَ الَّذِي يَنْفُذُ إِذَا فَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَكَانَ الْوَاقِفُ إِذَا وَقَفَ فِي مَرَضِهِ دَارِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَجَعَلَ آخِرَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا بِاتِّفَاقِهِمْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَا سَبِيلَ لِوَارِثِهِ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدَاخِلٍ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ. فَكَانَ النَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ سَبِيلُهُ إِذَا وَقَفَ فِي الصِّحَّةِ فَيَكُونُ نَافِذًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ سَبِيلٌ بَعْدَ ذَلِكَ قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَإِلَى هَذَا أَذْهَبُ وَبِهِ أَقُولُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لَا مِنْ طَرِيقِ الْآثَارِ لِأَنَّ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفِي لَهَا وَبَيَانُ مَعَانِيهَا وَكَشْفُ وُجُوهِهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَتَخْرَجُ الْأَرْضُ بِالْوُقُوفِ مِنْ مِلْكِ رَبِّهَا بِوَقْفِهِ إِيَّاهَا لَا إِلَى مِلْكِ مَالِكٍ؟ قِيلَ لَهُ: وَمَا تُنْكِرُ مِنْ هَذَا وَقَدِ اتَّفَقْتَ أَنْتَ وَخَصْمُكَ عَلَى الْأَرْضِ يَجْعَلُهَا صَاحِبُهَا مَسْجِدًا لِلْمُسْلِمِينَ وَيُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَنَّهَا قَدْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ لَا إِلَى مِلْكِ مَالِكٍ وَلَكِنْ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. ⦗٩٨⦘ فَالَّذِي يَلْزَمُ مُحَالِفَكَ فِيمَا احْتَجَجْتَ عَلَيْهِ بِمَا وَصَفْنَا يَلْزَمُكَ فِي هَذَا مِثْلُهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَبْسِ الَّذِي رَوَيْتَهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا؟ قِيلَ لَهُ: قَدْ قَالَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدَهُمَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ رِوَايَتِنَا إِيَّاهُ. وَالْآخَرُ أَنَّ ذَلِكَ أُرِيدَ بِهِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ مِنَ الْبُحَيْرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ. فَكَانُوا يَحْبِسُونَ مَا يَجْعَلُونَهُ كَذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا يُوَرِّثُونَهُ أَحَدًا فَلَمَّا أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْفَرَائِضِ وَبَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا الْمَوَارِيثَ وَقَسَمَ الْأَمْوَالَ عَلَيْهَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَبْسَ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الَّذِينَ أَجَازُوا الصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَاتِ فِيهَا بَعْدَ تَثْبِيتِهِمْ إِيَّاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ جَائِزَةٌ قُبِضَتْ مِنَ الْمُصَدِّقِ بِهَا أَوْ لَمْ تُقْبَضْ. وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُنْفِذُهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ وَيَقْبِضَهَا مِنْهُ غَيْرُهُ وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ. فَاحْتَجْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِنَسْتَخْرِجَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا صَحِيحًا فَرَأَيْنَا أَشْيَاءَ يَفْعَلُهَا الْعِبَادُ عَلَى ضُرُوبٍ. فَمِنْهَا الْعَتَاقُ يَنْفُذُ بِالْقَوْلِ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِنَّمَا يَزُولُ مِلْكُ مَوْلَاهُ عَنْهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمِنْهَا الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ لَا تَنْفُذُ بِالْقَوْلِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ الْقَبْضُ مِنَ الَّذِي مَلَّكَهَا لَهُ. فَأَرَدْنَا أَنْ نَنْظُرَ حُكْمَ الْأَوْقَافِ بِأَيِّهَا هِيَ أَشْبَهُ فَنَعْطِفَهُ عَلَيْهِ. فَرَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا وَقَفَ أَرْضَهُ أَوْ دَارِهِ فَإِنَّمَا يَمْلِكُ الَّذِي أَوْقَفَهَا عَلَيْهِ مَنَافِعَهَا وَلَمْ يَمْلِكْ مِنْ رَقَبَتِهَا شَيْئًا إِنَّمَا أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَكَمَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قَبْضٍ مَعَ الْقَوْلِ كَانَ كَذَلِكَ الْوُقُوفُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى قَبْضٍ مَعَ الْقَوْلِ. وَحُجَّةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْقَبْضَ لَوْ أَوْجَبْنَاهُ فَإِنَّمَا كَانَ الْقَابِضُ يَقْبِضُ مَا لَمْ يَمْلِكْ بِالْوَقْفِ فَقَبْضُهُ إِيَّاهُ وَغَيْرُ قَبْضِهِ إِيَّاهُ سَوَاءٌ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِكِتَابُ الرَّهْنِ